| طباعة | أرسل إلى صديق الصفحة الرئيسية
  برنامج ثقافي للروائي ابراهيم نصرالله ~ 
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة
عن كتاب الاستاذ سمير الزبن"تحولات التجربة الفلسطينية"




ندوة حوارية حول كتاب سمير الزبن

"تحولات التجربة الفلسطينية "



·       سمير الزبن:استطاع الفلسطينيون أن يطوروا "مخيالاً جمعياً"يصلح أساساً لبناء علاقات في إطار دولة موحدة لهذا الشعب.

·       د.ماهر الشريف:بسبب ضعف المجتمع الفلسطيني دفعنا ثمن النكبة،وحتى اليوم لم نستفد من العبرة التي أشار إليها قسطنطين زريق.

·       ياسين الحاج صالح:إعادة بناء الوطنية الفلسطينية والوطنيات العربية على أساس مدني هو الأساس لإعادة بناء الحركة القومية العربية.







عقد مركز الغد العربي للدراسات ندوة حوارية حول كتاب"تحولات التجربة الفلسطينية"الصادر عن المركز للكاتب سمير الزبن في نادي غسان كنفاني،شارك فيها إضافة إلى المؤلف كلّ من :د.ماهر الشريف،والكاتب ياسين الحاج صالح وأدار الندوة علي الكردي.

بدايةً قدم الكاتب سمير الزبن تلخيصاً مكثفاً لأهم المحاور في كتابه وأشار إلى أن الأسئلة المطروحة على التجربة الفلسطينية أكثر من الإجابات التي نستطيع الحصول عليها،لأن السيولة العالية لهذه التجربة وتشابكاتها تترك عشرات الأسئلة معلقة.إذ استطاع الشعب الفلسطيني بعد النكبة،إعادة إنتاج ذاته بعد أن دمرّ مجتمعه بطريقة منهجية بفعل طبيعة المشروع الصهيوني واستهدافاته.

هذا الشعب الذي وجد نفسه في الشتات خاضعاً لسلطات مختلفة،ورداً على التهديد والطمس،أعاد إنتاج وطنه كأسطورة مركزية في تجربته الحديثة،وكان المتخيل الجمعي هو المعبر عن علاقاته الاجتماعية والناظم المعياري لهذه العلاقات في تجمعات لا تجمعها الجغرافيا.

بل إن الفلسطينيين بعد النكبة لم يعيدوا ترتيب علاقتهم  بوطنهم ومدنهم وقراهم وحسب ،بل أعادوا ترتيب علاقاتهم مع بعضهم البعض،ولكن على الرغم من  إعادة إنتاج الذات الوطنية فإن التجربة الفلسطينية لم تنجو من التشوهات التي أصابت التكوين الفلسطيني لاحقاً،حيث عانت هذه التجربة من مشكلات بنيوية على صعيد المؤسسات المرجعية،وصناعة القرار،وفي القدرات التأثيرية على هذا القرار وفي علاقة القرار مع الشعب الفلسطيني،وإشكالية العلاقة مع أماكن تواجده المتعددة.

من التحولات التي أشار إليها الزبن أن ولادة النظام السياسي الفلسطيني جاء على يد الدول العربية بإقامة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964،ومن ثم جرى تحول آخر مع"فلسطنة"منظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، ومع استلام الفصائل المسلحة لزمام القيادة في المنظمة،حيث تحولت إلى "سلطة"على التجمعات الفلسطينية مع الاعتراف العربي بها ممثلا ًشرعياً ووحيداً،بيد أن هذه السلطة(بحكم خصوصية التجربة)مارست عنفها في "الحقل الرمزي"بوصفه عنفاً فعّالاً،وسيطرة على المعاني والرموز.

كذلك شكلت هزيمة حزيران تحولا ًآخر في واقع  المنظمة والتجربة الفلسطينية أتاح للفلسطينيين الحرية في مقاومة إسرائيل وممارسة العمل المسلح،وباتت تجربة الكفاح المسلح تعبيراً عن طموحات الفلسطينيين أكثر من أية برامج سياسية(...)حتى كاد يصبح الكفاح المسلح المعادل للوطن الفلسطيني.

في هذا المناخ تعززت فاعلية المنظمة فلسطينياً وعربياً ،وبرز نظام "الكوتا" الفصائيلية تمثيلاً لقوى الثورة الفلسطينية، وأصبحت صيغة"الكوتا"خللاً بنيوياً فرض نمطاً من علاقات القوة داخل المنظمة بصفتها الحقل السياسي الفلسطيني،ورغم الإقرار بأن القرارات تؤخذ"بالاجماع"،إلا أن صيغة التحاصص أسفرت عن احتكار "فتح"لأغلبية التمثيل داخل أطر المنظمة وبالتالي منحها قدرة التحكم بالقرار السياسي الفلسطيني.

من جهة أخرى استعرض الزبن فكرة"السياسات الريعية"التي نتجت عن التدفقات المالية الكبيرة التي حصلت عليها المنظمة والفصائل من الدول النفطية في  سبعينات القرن الماضي، وانعكاس هذه المسألة على سياسات المنظمة والفصائل.

واستعرض آليات صنع القرار الفلسطيني الذي سيطرت عليه النزعة الفردية في ظل غياب المؤسسات،وأشار إلى المشكلة البنيوية الناجمة عن انفصال الحقل السياسي عن التجمعات الفلسطينية.

كذلك اعتبر اتفاق أوسلو تحولاً زلزالياً في التجربة الفلسطينية،أدى إلى صيغة جديدة للنظام السياسي الفلسطيني له-لأول مرة-حيز إقليمي يسيطر عليه،واعتبر هذا التحول سبباً في تحطيم صيغة التوافق الفصائيلية السابقة وإلغاء"الميثاق الوطني الفلسطيني"دون أن يوجد صيغة بديلة،في الوقت الذي بنى سلطة قمعية فاسدة.

ثم استعرض طبيعة المأزق الفلسطيني الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية في ظل الانتفاضة ،حيث وجدت نفسها أمام انتفاضة في مواجهة الاحتلال،ولأنها سلطة هي وليدة تفاعلات اتفاقات أوسلو،فإنها لم تستطع تبني الانتفاضة رسمياً وعلنياً.هذا الوضع أفرز واقعاً غريباً،فالسلطة تتمسك بالعملية السلمية،والمفاوضات،وفي الوقت نفسه تؤيد الانتفاضة.

من جهة أخرى استعرض الزبن ما شكلّه غياب الرئيس عرفات من متغيرات كبيرة في الساحة الفلسطينية،واعتبر رئاسة أبو مازن فترة انتقالية تؤسس لمرحلة جديدة تمهد لتغير أسس النظام السياسي الفلسطيني،وانتهاءً لدور"القيادة  التاريخية"وهذا برأيه سوف يفتح الباب واسعاً أمام"صراع أجيال"داخل حركة فتح وبالتالي السلطة بشكل عام،وذلك مع غياب"الشرعية التاريخية"التي يمثلها عرفات،وبرأيه سوف يختار الجيل الجديد آليات الحسم الانتخابي داخلياً ليسرع وصوله إلى القرار السياسي.

وخلص إلى أن الداخل الفلسطيني بات المقرر النهائي في الموضوع الفلسطيني،وهذا سيزيد من هامشية منظمة التحرير التي يجري الحفاظ عليها لأسباب شكلية.

من جهته قدم د.ماهر الشريف مداخلة نقدية حول الكتاب،ثمن في بدايتها الجهد الذي بذله الكاتب،ومحاولته استخدام مفاهيم مفتاحية والبناء عليها،خصوصاً وأنه اختار موضوعاً مساره غير معبد حتى الآن في إطار الفكر السياسي الفلسطيني.

توزعت ملاحظات الشريف النقدية على الكتاب إلى ملاحظات حول الشكل،والمنهج،والمضمون.

فيما يتعلق بالشكل لاحظ الشريف وجود بعض الإرباك في الصياغة أحالها إلى التسرع-ربما-في إنجاز الكتاب،وكمثال على ذلك ما جاء في المقدمة"من أن الهدف من الدراسة مراجعة التجربة السياسية الفلسطينية من زاوية مشكلاتها البنيوية،ومقاربة الإجابة قدر المستطاع وبتواضع على تلك الأسئلة"

ثم قول الكاتب في صفحة أخرى:"إن مهمة الدراسة طرح الأسئلة التي لم يتم التطرق لها في التجربة الفلسطينية".

تساءل الشريف:أين التواضع إذا قلنا أنه لم يتم التطرق لها في التجربة الفلسطينية؟!بل لا يمكن القول :أنه لم يتم التطرق لها.

كذلك أشار الشريف إلى التناقض في قول الكاتب"إن هدف الدراسة هو طرح الأسئلة،وبنفس الوقت قوله سأقدم إجابات".

ثم أشار إلى مسؤولية الناشر عن بعض الأخطاء القواعدية في الكتاب،وانتقل من الملاحظات حول الشكل إلى ملاحظاته حول المنهج التي تناولت المقدمة والفصول العشرة للكتاب.

توقف الشريف حول ما قاله المؤلف في الفصل الأول من أن"هزيمة 48 كشفت ليس هشاشة المجتمع الفلسطيني فحسب،بل وهشاشة النظام السياسي العربي،نقلاً عن "جميل هلال"ويتابع المؤلف:"إلا أنه لا يمكن الموافقة على الاستنتاج الإضافي،بأن الهزيمة كشفت هشاشة المجتمع الفلسطيني"،واقترح الشريف أن "استنتاج ضعف المجتمع جراء وقوع الهزيمة"هو استنتاج متسرع،ورأى ضرورة التوقف عند هذه النقطة لأهميتها،إذ بعد النكبة مباشرة،في آب 1948 كتب قسطنطين زريق كتابه الشهير"معنى النكبة"،وبعد حزيران عام 1967 بأسابيع قليلة كتب"معنى النكبة مجدداً "وفي هذين الكتابين أكدّ زريق على فكرة مفصلية مفادها أننا هزمنا بسبب ضعف مجتمعاتنا،ولا يمكن أن ننتصر في هذه المعركة إذا لم نتملك أسباب الحداثة المجتمعية.أضاف :باعتقادي أن نكبة فلسطين كانت نتيجة صدام غير مكافئ بين مجتمع حديث ومجتمع تقليدي،وبالتالي الهزيمة كشفت هشاشة وضعف المجتمع الفلسطيني وكان الثمن النكبة،وحتى اليوم لم نستفد من العبرة التي أشار إليها زريق.

الملاحظة المنهجية الثانية هي استخدام المؤلف مصطلحي:الحقل السياسي الفلسطيني والنظام السياسي الفلسطيني، ولاحظ الشريف أن الحدود في أحيان كثيرة تختفي،أو تصبح غير واضحة بين المصطلحين،هذا الأمر يظهر في تعريف الكاتب لهذين المصطلحين حينما يقول:"إن الحديث عن النظام السياسي يقصد به في هذه الدراسة شبكة التفاعلات السياسية الفلسطينية ،بين أماكن التواجد الفلسطيني"ثم يعود في الصفحة 19 فيقول:"يمكن القول أن ولادة النظام السياسي هو تعبير عن كيان، ومن ثم يستخدم المؤلف في سياق تطور البحث مصطلح "النظام السياسي" إما بمعنى منظمة التحرير، أو بمعنى – فيما بعد- مؤسساتها، أو السلطة. وبالتالي اعتبر الشريف أن هذه القضية – منهجياً- تحتاج إلى إعادة نظر، خاصة وأن هذه المصطلحات هي مصطلحات مفتاحية في الدراسة قام المؤلف - حسب قوله- بتحويلها من أجل تكييفها مع الحالة الفلسطينية الخاصة وهذا ما يتطلب انتباهاً أكبر في اختيار المفاهيم أو المصطلحات.

حول ما ورد في الفصل الثاني " الملامح العامة في التجربة الفلسطينية" يقول الشريف لفت انتباهي الفكرة التالية: "في منتصف الستينات تلاقت إرادتان واحدة عربية تريد تقديم الفلسطينيين كناطقين باسم قضيتهم، وإرادة فلسطينية تريد أن يأخذ الفلسطينيون قضيتهم بأنفسهم" هذه المسألة باعتقادي مهمة جداً، لأننا جلدنا أنفسنا، وجُلدنا حول قضية "استقلالية القرار الوطني الفلسطيني". إن فكرة الإرادة العربية، بأن يكون للفلسطينيين كيانهم المستقل، وبأن ينقل عبء القضية الفلسطينية من الكتف العربي إلى الكتف الفلسطيني هي قضية محقة تماماً على الصعيد التاريخي،وعبد الناصر وجد نفسه في مرحلة من المراحل (لعوامل كثيرة) غير قادر على حمل عبء هذه القضية،ففكر بتسليمها للفلسطينيين من خلال إنشاء م.ت.ف ولكن باعتقادي بالإضافة إلى العامل الرئيسي الذي يتوقف عنده المؤلف وهو خيبة الأمل من الوحدة العربية، لا بد من الإشارة إلى عامل آخر لا يقل أهمية، وهو انتصار الثورة الجزائرية التي شكلت أيضاً عاملاً من عوامل تحفيز الفلسطينيين على استلام قضيتهم بأنفسهم، وممارسة الكفاح المسلح باعتباره طريق التحرير.

كذلك في نفس الفصل يرجع المؤلف أسباب التحول في الموقف الفلسطيني من البرنامج المرحلي إلى حرب تشرين الأولى 1973، ولا يتوقف أمام الخلفيات التاريخية للموقف الفلسطيني، باعتقادي أن حرب تشرين أنضجت موقفاً فلسطينياً كان يتبلور شيئاً فشيئاً منذ صدامات أيلول 1970.

وقد بدأ يتبلور الموقف الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة، وفي إطار الفصائل في الخارج ومحوره: لا نريد عودة الضفة الغربية من جديد إلى السلطة الأردنية، هذا الموقف كان الأساس الذي بُني عليه فيما بعد التحول الذي أفضى في حزيران عام 1974 إلى البرنامج المرحلي.

وهنا أيضاً تبرز ملاحظة حول ما سيرد لا حقاً في الكتاب إذ يصور الكاتب انعدام أي تأثير للجماهير الفلسطينية في صنع القرار، وخاصة جماهير الداخل، بينما اعتقد على العكس تماماً، لقد لعبت جماهير الداخل دوراً بارزاً على الأقل في مناسبتين هما: إنضاج شروط تبني البرنامج المرحلي، ثم خلال الانتفاضة الأولى، إنضاج شروط تبني هدف الحرية والاستقلال، وتحديد حدود الدولة في الضفة الغربية وغزة ويعتبر الشريف الفصل الثالث مهماً، لتناوله الناظم الداخلي للعلاقات الفلسطينية وتأثير نظام "الكوتا" والمحاصصة والنزعة الفردية والسياسات الريعية، ويتوقف عند "آلية صنع القرار الفلسطيني" في الفصل الرابع، حيث يقول الكاتب :"يشكل القرار السياسي وسيلة القوى السياسية في كل مرحلة تاريخية للوصول إلى أهدافها".

وتساءل الشريف: هل القرار السياسي هو وسيلة الوصول للأهداف أم يقصد الزبن شيئاً آخر، وإرباك الصياغة لم توضح ذلك؟!

ثمة ملاحظة تتعلق بالمنهج أيضاً تتعلق بمفهوم المخيال الجمعي. يقول الكاتب: " شكلت منظمة التحرير وطناً رمزياً جامعاً أكثر مما شكلت إطاراً تمثيلياً،ولكن واقع حال الوجود الفلسطيني المشتت جعل إمكانية تحويل هذا المخيال الجمعي إلى علاقات مؤسساتية ضرباً من المستحيل" ثم يعود في نفس الصفحة (75) ويحمّل المسؤولية عن سياسات التفرد إلى عجز القيادة عن ابتكار آليات مؤسساتية.

يقول الشريف: طالما أن المؤلف تبنى مفهوم المخيال الجمعي نتيجة خصوصية وضع الفلسطينيين خارج الوطن، فهذا يعني أن ليس بإمكانهم إقامة علاقات مؤسساتية، فيكف إذاً يعود ويحمل القيادة والنزعة الفردية إلخ...مسؤولية غياب المؤسسات؟! هنا أيضاً توجد مشكلة على مستوى المقاربة من حيث المنهج.

كذلك لا حظ الشريف غياب أي ذكر للجماهير الفلسطينية في أراضي ال 1948 في صفحات الكتاب مع أن الكاتب يتحدث عن التجمعات الفلسطينية بشكل عام، ويتطرق في فقرة من الفقرات إلى ذكر إسرائيل، دون الإشارة إلى التجمع الفلسطيني فيها.

حول التحول في النظام السياسي الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، موضوع الفصل السابع يقول الزبن في الصفحة (101): " لم تجد قيادة المنظمة من وسيلة لكسر آلية التمثيل الثنائي في إطار وفد أردني – فلسطيني مشترك" بينما  بعد افتتاح مؤتمر مدريد، ربما بعد جلستين من المفاوضات، نزع الوفد الفلسطيني استقلاليته، لكن القيادة الفلسطينية فتحت القناة الخلفية في أوسلو خوفاً من أن تكتسب شخصيات الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن مشروعية قيادية.. هذا الهاجس هو ما دفعها إلى فتح قناة خلفية، وليس كسر التمثيل الثنائي في إطار وفد أردني فلسطيني مشترك كما يقول المؤلف.

وفي الفصل الثامن يشير الكاتب في ص 121 إلى "أن دخول الشرطة الفلسطينية بصدامات مع الإسرائيليين كان البداية الأولى لعسكرة الانتفاضة التي كانت خيار السلطة وخيار حماس على ذات القدر". و"كانت العمليات داخل إسرائيل ذروة الوضع المأزقي للقيادة الفلسطينية".

يرد الشريف على ذلك بالقول: إن ذلك باعتقادي كان فعلاً خيار السلطة حتى ربما قبل أن يكون خياراً لحماس، وياسر عرفات شخصياً يتحمل مسؤولية ذلك. إذ كان هناك وهم بأن المجتمع الإسرائيلي غير قادر على تحمل تبعات مواجهة مسلحة طويلة الأمد، وبالتالي علينا أن ندفع في هذا الطريق، فكانت عسكرة الانتفاضة، ويشدد الشريف: "علينا أن نعترف بأن ذلك سبب كارثة وطنية كبرى أصابت الشعب الفلسطيني وانتفاضته، وقيادة فتح وياسر عرفات يتحملان مسؤولية ذلك، لان كل الأهداف التي بنيت على أساسها "عسكرة الإنتفاضة" تبين منذ الأشهر الأولى بأنها أهداف غير واقعية.

إذ كان الهدف الأول أننا سنخلق نوعاً من الردع الاستراتيجي، وننهك المجتمع الإسرائيلي، ونحشر في الزاوية الاقتصاد الإسرائيلي إلخ...

هذا الوهم برأي الشريف نتج عن قصر نظر سياسي عند القيادة الفلسطينية، وقد كُتبت عشرات الدراسات عن المأزق الوجودي الإسرائيلي، وعجزها عن بناء كيان يعتمد على نفسه إقتصادياً و سياسياً إلى آخره. وإذا كانت اسرائيل في عام 1998قد واجهت مأزقها في صورة فاضحة، فقد جئنا نحن من خلال عسكرة الانتفاضة،وبدلاً من أن نستغل بصورة ذكية التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي،فقد أعطينا المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فرصة كي تعيد اللحمة والتماسك للمجتمع الإسرائيلي.وعاد شارون للقول:إن حرب 1948لم تنته, وعلينا إعادة نفخ روح جديدة في الصهيونية......

حول مستقبل النظام السياسي في الفصل العاشر أيضاً تبرز بعض التناقضات في التكهنات التي يطرحها الكاتب ففي الوقت الذي يقول "إن ما يجري حالياً في الأراضي الفلسطينية ليس قطيعة نهائية مع التاريخ السابق، بل هو في جوهره استمرار للأوضاع الموضوعية القائمة"، يعود في ص 149 ويقول: " تؤسس المرحلة الإنتقالية التي يرأسها أبو مازن إلى الانتقال فلسطينياً إلى مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن المرحلة السابقة".

فكيف يمكن القول: أنه لا جديد، وهناك استمرار للوضع القائم، ثم القول بعد صفحة " أنها تجربة جديدة مختلفة جذرياً عن سابقاتها" ؟! ويختم الشريف بملاحظة أخيرة حول قضية التكيف النهائي قائلاً: ليس هناك تكيفاً نهائياً مع التاريخ، لأن التاريخ مفتوح، ولا يمكن أن نغلق الباب في فلسطين أمام أي احتمال مستقبلي.

 

 ومن موقعه خارج التجربة الفلسطينية،قدم الكاتب ياسين الحاج صالح مداخلة نقدية أخرى حول كتاب الزبن جاء فيها:إن الكاتب تجنب الروح الفصائيلية في بحثه،بحيث لا نجد تزكية لخظ سياسي جاهز،يدين على أساسه ممارسات القيادة الفلسطينية،أو النظام السياسي الفلسطيني في الشكل الذي استقرت عليه ملامحه بعد أوسلو.

أشارك  الكاتب سمير الزبن التطلع نحو إعادة بناء الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة،لأن أوسلو كان التعبير عن وصول العمل الفلسطيني إلى طريق مسدود،وذلك بعد خروج منظمة التحرير من بيروت في بداية الثمانينات،وبعد توقف الانتفاضة الأولى بداية التسعينات،وفي ظل المتغيرات التي شهدها العالم مع خسارة الفلسطينيين للمعسكر الاشتراكي،وضرب العراق وانطلاق عملية مدريد،إذ كان الخيار أمام الشعب الفلسطيني هو السير في الدروب المفتوحة التي فتحها الأمريكيون بشكل أساسي بعد ضرب العراق،أو الخروج من المعادلة السياسية الإقليمية لفترة قد تطول،وبهذا المعنى كانت أوسلو انسداداً لآفاق العمل العربي الذي بدأ أساساً مع إخفاقنا في حرب 1973.

إن الكاتب الزبن وآخرون كثر ممن ناقشوا أزمة العمل القومي العربي،يعتبرون الخطيئة الأصلية،أو المفصل الأساسي لانتكاس العمل العربي هو حرب 1967،ويقللون من أهمية حرب 1973،أو يعتبرونها محاولة للتمرد على ما أنتجته حرب 1967 من انهدام للعمل العربي.

أنا اعتقد أن حرب 1973كانت نقطة النهاية لمرحلة التحرر الوطني في البلاد العربية،حيث انتقلت الدول العربية إلى التكيف مع النظام الدولي،أي الدخول بمنطق الحرب الباردة،ـ لخدمة أحد الطرفين،ومن ثم بعد نهاية الحرب الباردة أواخر الثمانينات 1989 بدأ نوع من تنديد للذات عبر الطرف المهيمن على الوفاق الدولي وهو الطرف الأمريكي.

ثم استعرض الحاج صالح تحولات تلك المرحلة،والتقاط المرحوم ادوارد سعيد في وقت مبكر إلى ما وصلنا إليه من انسداد،حيث حاول فتح أقنية بين منظمة التحرير وبين الأمريكيين على أرضية إذا تمكن الأمريكيون تفهم بعض المطالب الفلسطينية يمكن للمنظمة أن تخرج  من مستنقع الحرب اللبنانية واستنزاف الفلسطينيين،وبغض النظر عن عدم موافقتنا على الخيار الذي اختاره المرحوم إدوارد سعيد،فقد كان ذلك دليلاً على المأزق والحاجة إلى بحث عن حلول.

يضيف الحاج صالح: اليوم بعد ثلاثين سنة من ذاك الوقت نجد أن المجتمعات العربية(وليس فلسطين فحسب)تقف مهددة بالانفراط كيانياً(نموذج العراق)في ظل كلام عن شرق أوسط جديد،وإعادة هيكلة المنطقة،ونعرف كلما كان دور العامل الخارجي في المنطقة أكبر،كلما كان هناك حضور لدور أكبر للطوائف والعشائر والإثنيات وما إلى ذلك.....وبخصوص التجربة الفلسطينية وتحولاتها يجب الاهتمام بالتحول نحو وطنية مدنية أكثر ديموقراطية على مستوى العلاقات والمساواة والاهتمام بقضايا الثقافة والنمو الاقتصادي،والتعليم،وهذا الأمر أكثر أهمية بالنسبة لفلسطين بالنظر لما يتعرض له المجتمع الفلسطيني من تدمير مستمر.هنا أتقاطع مع ما قاله د.ماهر الشريف حول عسكرة الانتفاضة التي دفعت إلى أن نلعب في ملعب الخصم،وفي مجال ليس لنا ميزات تفاضلية فيه.

إن العالم اليوم يفرض علينا وضعية لم نخترها،ولن نستطيع أن نواجه هذا الوضع،أو نغيّره ما لم نستثمر نقاط القوة لدينا،واعتقد أن النقاط الأسهل هي المجال المدني ونزع العسكرة،وضرورة التركيز على التنمية والثقافة والعلوم.

ملاحظتي على الكتاب أن المؤلف خصص فصلاً كاملا ًعن موقع القضية الفلسطينية في العالم العربي،إلا أنه لم يقترح ترتيباً جديداً لهذه العلاقة والمطلب هو إعادة بناء الوطنية الفلسطينية والوطنيات العربية الأخرى على أساس مدني وهذا هو الأساس لإعادة بناء الفكرة القومية العربية والسبيل الوحيد لإحيائها،أي تحويل سكة العمل القومي إلى مجالات التنمية الاقتصادية والثقافية بعيداًَ قدر الإمكان عن القوى العسكرية،لأن العسكرة والجيوش ليست نقطة قوة لدينا،وإذا استمر الإصرار على اللعب ضمن هذا الملعب فسوف نخسر.



المزيد من ورشات العمل

إضافة تعليق

 
الاسم
البلد
التعليق
       

 

الصفحة الرئيسية

مواقع صديقة
أجراس العودة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مجلة الهدف