| طباعة | أرسل إلى صديق الصفحة الرئيسية
  برنامج ثقافي للروائي ابراهيم نصرالله ~ 
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة
ازدواجية النظام السياسي الفلسطيني مرجعية واحدة أم مرجعيات

ورقة عمل المركز

 

الانتخابات الفلسطينية

في أسباب المتغيرات والمستقبل الفلسطيني القادم

 

كان لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني مفاعيل مزدوجة، فقد شكلت في واحدة من مفاعيلها دور الكاشف لواقع ومشكلات الوضع الفلسطيني، وفي الثانية شكلت واقعة منشئة لواقع ومشكلات جديدة لم تكن ممكنة قبل هذه الانتخابات. فقد وضعت هذه الانتخابات حداً لكل التقولات التي تدعيها القوى لمستوى وجودها في الشارع الفلسطيني، وأعطت القوى السياسية الأوزان التي سترسم الخارطة السياسية القادمة، ما أسفر عن ثنائية بين حركتي حماس وفتح، وأسفر عن هامشية القوى اليسارية في الخارطة السياسية الفلسطينية. هذه الصورة الأولية للواقع الفلسطيني من زاوية توزع القوى الجديد نقلت القيادة الفلسطينية في السلطة الفلسطينية بمجلسيها الوزاري والتشريعي إلى حركة حماس المعارضة والإسلامية، ما يعني إعادة ترتيب هذه الخارطة على ترتيب خطابات سياسية متفارقة مع واقع الحالة السياسي، حيث ينتقل أصحاب الخطاب السياسي المعارض للاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية إلى السلطة التي هي في النهاية نتاج هذه الاتفاقات.

تتفاعل نتائج الانتخابات الفلسطينية، وستبقى تتفاعل خلال الفترة القادمة، فالواقع السياسي الذي أفرزته هذه الانتخابات لم يستقر بعد، ولا يمكن معرفة صورته النهائية، ولا شك بأن هذه النتائج تؤكد من جديد واقع تعقيد وتشابك المعطيات الفلسطينية، والتي باتت تحتاج إلى تحليل عميق لمعرفة آلية التحولات السياسية التي يشهدها الواقع السياسي الفلسطيني، وإلى أين تذهب هذه المتغيرات بالوضع الفلسطيني، ولا شك بأن أسئلة الواقع الجديد لا تعني القوى السياسية فحسب، بل تعني الجميع، ولذلك يبدو من الأهمية بمكان فتح الحوار حول الانتخابات الفلسطينية، ليس من أجل تحليلها بوصفها جزئية من جزئيات الوضع الفلسطيني، بل بوصفها المدخل الذي بات يفرض على الجميع فتح كل الأسئلة الجارحة والمؤجلة على الساحة الفلسطينية، والتي تشمل: المشروع الوطني الفلسطيني، وعلاقته بالمشروع الإسلامي المستجد، السلطة الفلسطينية مكوناتها ومصيرها المحتمل، منظمة التحرير وإمكانية بنائها، كل هذه القضايا الفلسطينية وغيرها باتت مطروحة على طاولة النقاش الفلسطيني، وهي أصلاً يجب أن تكون دوماً على طاولة النقاش.

وإذا كان المطلوب فلسطينياً اليوم وعلى كل المستويات (قوى ومثقفين وشخصيات ومهمين وناشطين) حواراً مفتوحاً على كل القضايا والمشكلات التي تعاني منها القضية الفلسطينية في هذه الظروف، فإن الأسئلة التي تطرحها هذه الورقة ليست الأسئلة النهائية، بقدر ما هي محاولة لفتح نقاش فلسطيني لم يعد قابلاً للتأجيل.

وكمدخل لهذا الحوار نطرح الأسئلة التالية المتعلقة في جزئها الأول بتفسير الحالة الفلسطينية، وفي جزئها الثاني بمستقبل الوضع الفلسطيني.

 

في تفسير الحالة الفلسطينية:

- هل انتهى المشروع الوطني الفلسطيني بالصيغة التي بدأت في منظمة التحرير وانتهت بانتهاء سيطرة فتح على السلطة الفلسطينية وهل شكلت القوى السياسية الفلسطينية روافع حقيقية للمشروع الوطني الفلسطيني؟

- هل لدى حركة حماس مشروع وطني فلسطيني وهل وصول حماس إلى السلطة يعني استبدال المشروع الوطني الفلسطيني بآخر إسلامي؟

- هل اشتراك حماس في الانتخابات يعني تكيّف الحركة مع النظام السياسي الفلسطيني أم هو ينطلق من موقع السيطرة على النظام السياسي وليس التكيّف معه، بمعنى آخر هل كان الصراع الفلسطيني الفلسطيني هو صراعاً داخل النظام السياسي، أم صراعاً على النظام السياسي؟

- ما مستوى تأثير الخارج (الدولي والإقليمي والعربي) في الداخل الفلسطيني، أو في النظام السياسي الفلسطيني؟

- ما أثر انسداد أفق التسوية السياسية في اتجاهات التصويت في الانتخابات الفلسطينية وكيف يمكن قراءة الاتجاهات التصويتية لدى الناخب الفلسطيني، هل صوّت للمقاومة، أم ضد الفساد أو ضد الفوضى، أم ضد التسوية.. .. إلخ؟

- هل المتغير الداخلي الفلسطيني قادر على إنجاز متغير إقليمي، وهل هناك حوامل حقيقية لمثل متغير كهذا؟

- هل صوّت الناخب الفلسطيني في تصويته لحركة حماس، ضد النظام السياسي بهدف بناء نظام سياسي فلسطيني آخر؟

- هل بات صندوق الاقتراع بعد الانتخابات مصدر الشرعية الوحيد في الساحة الفلسطينية، أم أن الساحة الفلسطينية ما زالت قادرة على إنتاج شرعيات أو تكريسها من خارج صندوق الاقتراع؟

- أين يمكن وضع الانتخابات الفلسطينية في ظل الوضع الفلسطيني الانتقالي، حيث لم تبق حركة تحرر لم تصل إلى مرحلة الدولة بعد؟

- هل يمكن اعتبار نتائج الانتخابات انقلاباً في الاصطفافات والمواقع السياسية، حيث تحولت قوى منظمة التحرير إلى قوى محافظة (رجعية) وتحوّلت حماس إلى حامل للمشروع التغييري؟

- هل كانت برامج القوى السياسية هي الناظم الحقيقي للانتخابات الفلسطينية؟

 

في مستقبل الحالة الفلسطينية:

- أفرزت الانتخابات نظاماً فلسطينياً برأسين، فهل سيكون هذا النظام بمرجعية واحدة، أم سيكون نظامين بمرجعيتين، أم نظاماً واحداً بمرجعيتين؟

- هل كسرت نتائج الانتخابات حالة الاستئثار التي كانت سائدة والتي كانت تشغلها حركة فتح ونقلت النظام السياسي الفلسطيني إلى نظام ثنائي، أم أن النظام السياسي ينتقل من استئثار إلى استئثار آخر؟

- ما تأثير الواقع الجديد الذي أفرزته الانتخابات في الداخل الفلسطيني؟

- هل تستطيع حماس أن تنقل خطابها السياسي المعارض إلى مواقع السلطة، وتنجح في إدارة السلطة تحت برنامج معارض، وتحل إشكال ازدواجية (سلطة / معارضة)؟

- هل تشكل إعادة بناء منظمة التحرير في ظل الازدواجية التي أفرزتها الانتخابات مخرجاً للوضع الفلسطيني، وهل إعادة البناء ممكنة أصلاً؟

- هل يمكن لحماس في السلطة كسر الآلية التوافقية الدولية والإقليمية التي حكمت أفق الحل للقضية الفلسطينية بحدود الأراضي التي احتلت في العام 1967، أم أن هناك إمكانية بالعودة بالصراع إلى البدايات الأولى من موقع السلطة، وهل يمكن إنجاز حل الدولة المستقلة بدون الاتفاق مع إسرائيل وبدون الاعتراف بالواقع القائم؟

- ما نقاط التعارض والتوافق بين المشروعين الوطني والإسلامي؟

- هل تتجه حماس في السلطة إلى نموذج حزب العدالة التركي أم إلى نموذج طالبان؟

- ما موقع الصراع مع إسرائيل في ظل تصاعد الخلافات الفلسطينية الداخلية، وفي ظل انشغال القوى السياسية بالوضع الداخلي؟ وكيف سيؤثر الصراع مع إسرائيل (سواء بالعمليات أم بالتهدئة) على الصراع الفلسطيني الداخلي؟

- كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل في ظل سلطة الرأسين؟

- ما نتائج الانتخابات الفلسطينية على الشتات الفلسطيني وهل ستتأثر أوضاع اللاجئين بهذه النتائج (لبنان والأردن بشكل خاص) وهل ستؤدي تداعياتها إلى انتخابات في الشتات؟

- هل ستكون هذه الانتخابات مدخلاً لديمقراطية فلسطينية راسخة، أم ستكون آخر انتخابات فلسطينية؟


 

 

مدخل للمناقشات

 

مداخلة مدير الندوة أ. ماجد كيالي

قال أ. ماجد كيالي في مداخلته بعد توجيهه الشكر للمشاركين، وتحديده قواعد الحوار في ورشة العمل:

أدت الانتخابات الفلسطينية إلى حصول انقلاب في النظام السياسي الفلسطيني، إذ انتقلت حركة فتح، مرة واحدة، من القيادة إلى المعارضة، ومن الفصيل الأول إلى مكانة الفصيل الثاني (على الرغم من إشكالية احتفاظها برئاسة السلطة، وقيادة منظمة التحرير). وبالمقابل فقد تحولت حركة حماس (فجأة) من موقع المعارضة والفصيل الثاني، والعمل من خارج النظام الفلسطيني، إلى موقع القيادة والفصيل الأول والعمل من داخل  النظام الفلسطيني.

ويمكن اختصار التحولات السياسية الفلسطينية الناجمة عن الانتخابات بالتالي:

أولاً: تشكل واقع من ازدواجية السلطة، وذلك بحكم استمرار هيمنة حركة فتح على رئاستي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، والأجهزة التابعة لهما. ومعنى ذلك أن رئاسة حركة حماس للحكومة، كذلك أغلبيتها في المجلس التشريعي، لن تتيحا لها التحكم، تماماً، في دفة القرار الفلسطيني، سواء تعلّق الأمر بالسلطة أو بالساحة الفلسطينية عموماً.

ثانياً: الانتخابات الفلسطينية التي أنهت تفرد حركة فتح في قيادة الساحة الفلسطينية، لم تمكن، بذات الوقت، حركة حماس من فرض تفردها أيضاً. والحاصل لهذين الأمرين انبثاق نظام سياسي فلسطيني جديد، يتأسس على القطبية الحزبية الثنائية (فتح وحماس)، ويرتكز هذا النظام ليس فقط على هيمنة فتح على الرئاستين، وعلى نفوذها في أجهزة المنظمة والسلطة، كما قدمنا، وإنما هو يشمل شعبية فتح في الساحة الفلسطينية.

ثالثاً: أفضت الانتخابات إلى انحسار القوى الفلسطينية الأخرى (الديمقراطية أو اليسارية.. إلخ)، التي بدت متآكلة، وغير قادرة على توحيد ذاتها، أو طرح مشروعها البديل في مواجهة مشروعي حماس وفتح، وهكذا فإن الانتخابات خلقت واقعاً يتمثل بغياب قطب ثالث، أو رابع في الساحة الفلسطينية، يمكن أن تتكئ عليه حركتا حماس أو فتح في التجاذب السياسي القائم بينهما، ويخشى على ضوء ذلك أن الساحة الفلسطينية باتت عرضة لغياب حال التنوع والتعددية، اللذين طالما تغنّت وتفاخرت بها، في مقابل الاستقطاب الحاد لصالح حماس وفتح في المجتمع الفلسطيني.

رابعاً: بينت نتائج الانتخابات انقسام الشعب الفلسطيني إلى اتجاهين رئيسين / متعادلين، من حول حماس وفتح، وحول التوجهات السياسية لكل منهما.

خامساً: تبدو »حماس« في مشكلة أخرى، بعد الفوز، فهي مثلاً، لا تستطيع التنصل من الاتفاقات التي وقعتها السلطة، وضمنها اتفاق أوسلو (1993)، على الرغم من كل الاجحافات الكامنة فيه، على اعتبار أن السلطة التي سترأس حكومتها هي نتاج هذا الاتفاق، وهي لا تستطيع، أيضاً، أن ترفض مرجعية منظمة التحرير، باعتبار أن هذه المنظمة (على علاتها) هي التي وقعت اتفاقيات قيام السلطة، كما أن هذه المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين في كافة أماكن وجودهم.

النتيجة أن الساحة الفلسطينية، بعد الانتخابات، باتت عرضة لتجاذبات بين فتح وحماس في الشارع والأجهزة، وفي المجلس التشريعي، وبين مؤسستي الرئاسة في الحكومة والمنظمة، وأيضاً بين كياني المنظمة والسلطة، ولا شك في أن من شأن هذه  التجاذبات خلق حالة أزمة في النظام السياسي الفلسطيني السائد، في حال عدم السيطرة عليها، أو حلها أو تجاوزها.

على الرغم من كل ذلك، فثمة أسئلة تطرح نفسها في الواقع الفلسطيني الجديد:

أولاً: هل تستطيع حركة حماس تحمّل مسؤولية الخروج من عملية التسوية، وبالتالي تقويض السلطة الفلسطينية، التي جاءت نتيجة اتفاقات أوسلو؟

ثانياً: هل تستطيع حماس تشكيل حكومة وتحمّل مسؤولية إدارة السلطة، في نفس الوقت الذي ترفض فيه  الدخول في عملية التفاوض مع إسرائيل؟

ثالثاً: هل ما زالت فكرة حل السلطة فكرة عملية، بعد تآكل مرجعيات الفلسطينيين وبعد اعتزام إسرائيل الانسحاب والانفصال عن الفلسطينيين؟

رابعاً: في حال استعصاء الأزمة السياسية، نتيجة تمسك »حماس« بمواقفها، وإصرار »فتح« على عدم التسهيل عليها، هل ثمة شرعية أو جدوى لإمكان التوجه نحو إجراء استفتاء على القضايا الخلافية للحسم فيها (قضية الدولة والتسوية والمفاوضات)، ففي عملية الاستفتاء هذه سيجد الفلسطينيون أنفسهم أمام عملية اتخاذ قرار يتعلق بخياراته السياسية، لا الشخصية أو العشائرية أو المناطقية أو الفصائلية أو الفكرية.

خامساً: يبقى ثمة خشية من قطع الطريق أمام »حماس« نحو القيادة والسلطة، بوسائل انقلابية أو عنيفة، مصدرها شيوع الفلتان الأمني، والفوضى السياسية في مناطق السلطة، وتفاقم ظاهرة القادة المحليين للمجموعات المسلحة، على حساب القيادة السياسية.

سادساً: ما المكانة التاريخية لهذه الانتخابات؟ هل أدت إلى الإسهام في تطور النظام الفلسطيني أم أنها أدت إلى مفاقمة مشكلاته؟

سابعاً: ما مصير مكونات حركة التحرر الفلسطينية؟ وهل ستنخرط حماس في النظام الفلسطيني؟ هل ستنهض حركة فتح؟ هل ستعيد الفصائل الديمقراطية، أو التيار الثالث الاعتبار لها؟

أسئلة وإشكاليات طرحت للنقاش، وبغياب ممثل عن حركة حماس في الجلسة الأولى ظلت الأسئلة معلقة دون إجابات من طرف حماس بوصفها جهة أساسية معنية بهذه الأسئلة، بينما في الجلسة الثانية في اليوم الثاني أخذ الحوار منحىً آخر مع حضور الأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس.

 

لماذا لا نشكّل شبكة أمان لحماس؟!

مداخلة د. طلال ناجي

نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - »القيادة العامة«

قال د. طلال ناجي: بعد أن أشار إلى القلق الذي ساور الجميع نتيجة الأحداث التي جرت في الآونة الأخيرة في الساحة الفلسطينية: وُصفت الانتخابات التشريعية الفلسطينية بأنها ديمقراطية ونزيهة وشفافة، وهي بالفعل كذلك، لأنها أدّت بالنتيجة إلى تحوّل جاء بقوةٍ أخرى إلى الحكم كانت في المعارضة، وهذا أكبر دليل على أنها ديمقراطية ونزيهة، والأخوة في حماس، وكل القيادة الفلسطينية تحفظ وتسجّل للأخ أبو مازن أنه أجرى هذه الانتخابات بشكلٍ ديمقراطي، وأنه التزم بنتيجتها على الرغم من الضغوط الكبيرة التي مورست عليه إما لتأجيلها، أو إلغائها، أو ربما لتغيير نتائجها.

لقد أدّت الانتخابات إلى انقلاب في صفوف الشعب الفلسطيني وفي الساحة الداخلية الفلسطينية، ليس بمعنى الانقلاب العسكري، وإنما من حيث تغيير المحور، حيث انتقلت حماس من صفوف المعارضة إلى صفوف السلطة لكن هذه السلطة ليست كاملة ومكتملة لأن هناك مؤسسة الرئاسة، وهناك برنامج يُعدّه الأخوة في حركة فتح الذين كانوا في السلطة سابقاً، وهناك الانتخابات الرئاسية التي كانت سابقة على الانتخابات التشريعية حيث أدّت إلى فوز الأخ أبو مازن وهو الآن رئيس السلطة، ورئيس م. ت. ف، وأحد قادة فتح التاريخيين، والإشكالية أن الانتخابات الأخيرة أدّت إلى تشكيل حكومة وبرلمان فلسطيني أغلبيته من حماس لتقود سلطة كلها أو غالبيتها من فتح. هناك 165 ألف موظف غالبية هؤلاء العظمى من فتح، نحن في القيادة العامة لنا خمسة موظفين من هؤلاء عيّنهم الأخ أبو عمار قبل وفاته بأشهر. المديرون العامّون، وجسم الشرطة والموظفون في الوزارات غالبيتهم من فتح، وأبرز دلائل هذه الإشكالية حدوث تعارض بين الموظفين والوزراء، كما حدث مع الوزير الزهار حينما رفض السفير الفلسطيني في القاهرة مقابلته باعتباره سفيراً من فتح.. هكذا تجري الأمور في الحقيقة.

نحن بوصفنا تياراً ديمقراطياً قومياً سبق وأن تعاطينا مع الأخوة في حركة فتح على مدى أربعة عقود وهم يقودون الساحة الفلسطينية سواء في م. ت. ف، أو في السلطة الفلسطينية. كنا نعاني ونشتكي، ولكننا في نهاية الأمر كنا نقبل بهذا الواقع قدر الإمكان، ونحاول تخفيف الأضرار، وتحسين الأحوال، ولم يكن لدينا قدرة، أو إمكانية لتصحيح الخلل القائم، أما الآن وقد جاء فصيل من المعارضة إلى السلطة، وعلى الرغم من أن هذه  السلطة غير محسومة له، نلاحظ أن الهموم والمشكلات بدأت تُلقى في وجهه، وفي وجه الشعب الفلسطيني الذي يُعاقب اليوم على ممارسته للديمقراطية.

أتساءل في الحقيقة: ما هذا الرياء؟! ما هذا النفاق؟! وما هذا الكيل بمكيالين؟!

من جهة نسمع عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان والحرية، ومن جهة أخرى عندما يطبّق الشعب الفلسطيني هذه المقولات، ويمارس الديمقراطية التي اعترفوا أنها نزيهة، يُعاقب بكل وقاحة وبلا خجل، ليس من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية فحسب، وإنما للأسف الشديد من بعض العرب أيضاً، ولسان حالهم يقول: لأنكم طبّقتم الديمقراطية سنعاقبكم، ونجوّع شعبكم ونفقره. من يجوع الآن ليس حماس، لأن هناك حاضنة عالمية لحماس توفّر لها الإمكانيات والتمويل قبل أن تكون في السلطة. المشكلة اليوم عند جهاز السلطة، وجهاز السلطة ليس حماس، وإنما مائة وخمسة وستون ألف موظف وعائلاتهم هم منذ ثلاثة شهور بدون رواتب. لماذا هذه العقوبة للشعب، هل لأنه مارس الديمقراطية؟!

أخيراً طالب د. ناجي بإعطاء فرصة لحماس، وتساءل: لماذا لا نوفر شبكة أمان لحماس، ولماذا جرى التهرّب من تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، وحذّر من نذر حرب أهلية هي مطلب إسرائيلي أمريكي، ودعا إلى البحث عن حلول، أو توافقات لكي نتجنّب ذلك فلسطينياً، فنحن جميعاً في مأزق وعلينا أن نفكر بهدوء لمعالجة هذا المأزق حتى نحافظ على شعبنا وحقوقه الوطنية.

 

الناخب الفلسطيني صوّت ضد الفساد والفوضى!

جميل مجدلاوي

أعتقد أن الحكومات الفلسطينية المتعاقبة، وأجهزتها على اختلاف تياراتها وصلت إلى لحظة، بحيث لم يعد بالإمكان ترشيد أدائها، أو تصويبها أو تقييدها أو تنظيفها من الفساد، إلا بإحداث تغيير نوعي، وأعتقد أن المتنفذين في السلطة الفلسطينية باتوا شريحة اجتماعية ذات مصالح ونفوذ راحت تتناقض تدريجياً مع مصلحة الجماهير.

هذا النفوذ، وهذه الثروات تراكمت بمساعدة، وتغطية حقيقية من قبل الاحتلال، لأن اتفاقيات أوسلو صاغت نظاماً سياسياً واجتماعياً يجعل اليد الإسرائيلية طويلة جداً، وقادرة على تقسيم الشعب الفلسطيني، وعندما وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من الاستعصاء، كان لا بد من إحداث تغيير، فكانت الانتخابات هي الوسيلة الناجعة، وربما الأكثر أماناً لإحداث هذا التغيير. هذه نقطة أولى.

النقطة الثانية: هل كانت الانتخابات موضوعاً للصراع الفلسطيني الداخلي فقط، أم كانت موضوعاً للصراع مع الإسرائيليين والأمريكان أيضاً؟!

برأيي: أنها كانت صراعاً مع الإسرائيليين والأمريكان، لأن الرئيس بوش قال بوضوح قبل الانتخابات في خطابه في 24 / 6 / 2005، أو في خطة خارطة الطريق إن المطلوب من الانتخابات أن تقدم قيادة فلسطينية بديلة تنسجم مع المشروع الأمريكي المطروح، وكان يعني قيادة بديلة للمرحوم ياسر عرفات، ولكن على يمينه، وأكثر استجابة وطواعية للإدارة الأمريكية، ولمشروع الصهيونية، أي أنتم أيها الفلسطينيون مدعوّون إلى أن تنتخبوا من نختاره لكم. هذا الأمر كان مطلباً أمريكياً، وهذه نقطة في الصراع حول الانتخابات تصب في الملاحظة التي أبداها أخي أبو جهاد (د. طلال ناجي) حين قال: إن جزءاً من هذه الانتخابات كانت بنتائجها ضد الأمريكان، ولكن حتى نرى الأمور من كل الزوايا، كانت الانتخابات أيضاً عنواناً للصراع الفلسطيني الداخلي، وذلك بدءاً من الصراع حول قانون الانتخابات، وصولاً إلى كل خطوة في هذه الانتخابات.

لقد توافقت حول قانون الانتخابات إرادتان حالتا دون إقراره بالصيغة الأولى التي كانت مطروحة. الإرادة الأولى هي إرادة الأغلبية الكبيرة لدى أعضاء المجلس التشريعي السابق وكلهم من حركة فتح. هؤلاء بغالبيتهم كانوا يعتقدون أن كل واحد منهم هو ملك متوّج في دائرته الانتخابية، لذلك حالوا دون إقرار قانون الانتخابات، وبصراحة شديدة، وبعد أكثر من جولة تمّ إقرار قانون الانتخابات بصيغته الأخيرة.

الإرادة الثانية التي حاربت بشدة قانون الانتخابات البديلة، كانت إرادة حركة حماس، لأن الأخوة في حماس قالوا: إن مثل هذا القانون سيجعل الشعب الفلسطيني تحت رحمة القوى الصغيرة.

بعد ذلك كانت الانتخابات صراعاً ديمقراطياً، وأتفق تماماً مع ما تفضل به أخي أبو جهاد حول أسباب ما أفرزته نتائج الانتخابات، ولكن بوضوح أحاول قدر الإمكان مقاربة ما قاله ماجد في البداية، إذ منذ اللحظة الأولى لنتائج الانتخابات ظهر جلياً ميل حماس للتفرّد، حيث أغلقت الباب تماماً أمام تشكيل أي ائتلاف وطني بأي مستوى، وهذا ليس تسويغاً لموقف الجبهة الشعبية التي حاولت تحقيق القاسم المشترك بحده الأدنى كما يجب، وكما تتطلب ظروف شعبنا بالمعنى الموضوعي والذاتي، ومما يوفّر علينا بعض أفكارنا حول الانغلاق الحالي.

وبالدرجة نفسها أعلنت فتح منذ اللحظة الأولى أنها لن تشارك في الحكومة. صحيح أن هذه الإعلانات التي جاءت في اليوم الأول للانتخابات لم تقرّرها مركزياً اللجنة المركزية، أو المجلس التشريعي، ولكنها كانت إعلانات عبّرت عن وجهة ما، تمرّد فيها قسم من قيادة فتح، واستنفر الكادر والقاعدة الفتحاوية بشكل لم يعد يجرؤ معه أي قيادي على معارضتها، على الرغم من أن بعض أعضاء اللجنة المركزية، ومنهم أبو مازن عبّر عن قناعته بضرورة المشاركة في الحكومة، ولكن المناخ الذي صنعته بعض قيادات فتح منذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها نتائج الانتخابات، خلق حالة لم يعد بوسع قيادة فتح معها أن تأخذ قراراً بالمشاركة في الحكومة.

هذا الاجتهاد من بعض قيادي فتح جاء بناءً على تصورهم أن بإمكانهم على هذا الأساس استعادة وحدة فتح، وهذا الأمر ترافق مع تحريض وتعبئة تنظيمية لدى الجهتين (حماس وفتح) تستجيب عن وعي أو بدون وعي للضغوط نفسها، وأحياناً بالمفردات نفسها، والآن لا يتورّع أي قيادي في حركة فتح أن يقف ويقول: دعونا نرى ماذا ستعمل حماس؟! إنهم سيقبلون أخيراً بأوسلو، وسيعترفون رغماً عنهم بإسرائيل.. إلخ.

بعد تشكيل حكومة حماس، نعم وُضعت عقبات حقيقية أمامها عن سبق الإصرار، وفي الأسبوع الذي سبق تشكيل الوزارة كانت هناك نوبات عمل ليلية من أجل ملء كل الوظائف، والهياكل الإدارية في وزارات السلطة وأُخذت قرارات بتعيين سبعة عشر مديراً عاماً في وظائف شكلية لمعرفتهم بأنه سوف يجري التسليم بهذه التعيينات لأنه ليس بوسع الوزير القادم أن يفعل شيئاً.

طبعاً هذا من شأنه أن يزيد الأمور تعقيداً أمام أي إمكانية للتطوير والإصلاح، وأي تعيين لموظف آخر سوف يكون على حساب موظف قائم، وبالتالي أوجدوا أرضية للتصادم، ودخلنا في شبكة لا نهائية من الألغام التي قد تتفجر في وجوهنا في كل المناحي. هذه من العراقيل التي وُضعت في وجه حماس.

السؤال الآن.. هل انخراط حماس في الانتخابات يعني تكيّف الحركة مع النظام السياسي الفلسطيني أم صراعاً مع النظام السياسي؟! برأيي إن حماس تصارع الآن على النظام السياسي الفلسطيني، من أجل امتلاك المبادرة والقيادة لهذا النظام، وهي تعمل على إعادة تكييفه، بما ينسجم ورؤيتها سواء الوطنية أو الإسلامية الإقليمية.

إذا أردنا قراءة نتائج الانتخابات، وهل كانت لأن الناخب الفلسطيني صوّت ضد الفساد، أم ضد الفوضى، أم ضد التسوية. أعتقد أنه صوّت لكل هذه الأسباب، ولكن أولاً ضد الفساد والفوضى، ولهذا أخذت حماس برأيي أكثر من قوتها الحقيقية، لأن كل من أراد التغيير أعطى صوته للقوة التي أعتقد أنها جاهزة للقيام بهذا التغيير، وهي حماس، لذلك سمعنا من يقول من فتح إنه انتخب حماس. هذا الأمر يجب أن نأخذه على محمل الجد وهناك عشرات الأمثلة على ذلك.

الآن.. ما أبرز تناقضات الوضع الفلسطيني؟.. باعتقادي نحن أمام مجموعة من التناقضات يمكن تكثيفها على الشكل التالي:

1- هناك تناقض بين برنامج حماس، وواقع استلامها السلطة.

2- هناك تناقض بين مؤسستي الرئاسة والحكومة (تناقض حقيقي)، ولا أعتقد أن القانون الأساسي للنظام السياسي الفلسطيني يمكنه أن يحل كل التناقضات القائمة.

3- هناك تناقض بين الوزراء وجسم الوزارات.

4- هناك تناقض بين السلطة وبندقية المقاومة، ووجود حماس على رأس السلطة لن يحل هذا التناقض.

5- في حال تطبيق قانون محاسبة الفساد، ومن أين لك هذا؟ فإن ذلك من شأنه أن يفجر إشكالاً كبيراً، والخطورة أن هناك عشرات آلاف البنادق، وبالتالي ملف محاربة الفساد ينطوي على تناقض كبير ليس من السهل التصدي له.

 

لا أحد يستطيع أن يقود الحالة الفلسطينية ما

لم يأخذ بالاعتبار: صندوق الاقتراع، والائتلاف

الوطني على قاعدة البرنامج المشترك

فهد سليمان

أعتقد أن التبويب المطروح من قبل الأخوة في مركز الغد هو تبويب مناسب جداً. أولاً في تفسير الحالة الفلسطينية، وثانياً في مستقبل الحالة الفلسطينية.

كل من هذين البابين ينطوي على عدد من الإشكالات والأسئلة التي أفترض أنها تشكّل مجتمعة مادة البحث والحوار، والتي يجب أن تحظى بإجابات، أو تُعطى أولوية باعتبارها تشكل بمجملها التالي:

أعتقد أن العام الذي مضى ما بين انتخابات الرئاسة، وبين الانتخابات التشريعية اتسم بتفاقم مضطرد لاستحضار السيناريو القائم في الحياة السياسية الفلسطينية بحكم تنامي الاستياء، والسخط الفلسطيني إزاء تفرّد فتح بالسلطة، وما آل إليه من توغل للفساد، وانتشار للفوضى، وقد ساهمت ثلاثة عوامل على الأقل في رسم هذا المنحى:

* الأول: هو الانقلاب الكامل في المسار السياسي.

* والثاني: هو الموقف السلبي من استحقاقات العملية الديمقراطية من قبل فتح.

* والثالث: ظاهرة الفساد التي استشرت، والصراع المحتدم بين مراكز القوى.

والخلاصة هي: أن اشتداد السخط الجماهيري على هذه الحالة تبرمج بأشكال عدة أبرزها الطموح الجارف نحو التغيير المطبوع بشدة الاستقطاب السياسي ما بين حماس وفتح في غياب قطب ثالث قادر على أن يكون ضمانة للتغيير، ومن هنا أتت نتائج الانتخابات لكي تعبّر عن هذه الحالة. لا أريد أن أستعرض نتائج الانتخابات ولكن أكتفي بالإشارة إلى أن الاتجاه المسمّى بالتيار الديمقراطي والذي يمتد من الوسط الليبرالي، وحتى اليسار الديمقراطي، والذي شارك بالانتخابات من خلال سبع قوائم.. هذا الاتجاه الذي مثّل في الانتخابات الرئاسية 25% من التصويت، أو لنقل 20% إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن حماس قاطعت الانتخابات الرئاسية.. هذا التيار مجتمعاً بمن فاز، وبمن سقط حاز على 12.6% من أصوات المقترعين، أي على 132 ألف صوت. الأمر اليوم أن 38% من جمهور التيار الديمقراطي لم ينتقلوا إلى فتح، بل انتقلوا إلى حماس وصوتوا لصالحها، وبالنسبة لنا بوصفنا فصائل تنتمي لهذا التيار فإن هذا يعني انحيازاً سلبياً كبيراً من جمهورنا الانتخابي إلى جانب حماس، ويكمن سببه الرئيس في تمزّق صفوف القوى الديمقراطية وعجزها عن تشكيل تحالف واسع يوحّد إمكانياتها وطاقاتها، الأمر الذي يجعلها تتقدم أمام الناس باعتبارها قوة تملك برنامجاً، وتشكّل ضماناً للتغيير، ومن هنا أتت هذه النتائج التي تعبر بالأساس عن رغبة جارفة للفرار من إطار الفساد والفوضى، وما إلى هنالك من قضايا، وهذا يعني إذا انتقلنا الآن إلى النقاط المطروحة في الورقة في المقام الأول، أن المصوتين لم يصوتوا فقط للمقاومة، لأن تنظيماً مثل فتح هو مقاوم، وأي مراقب موضوعي لا يستطيع تجاهل تنظيم فتح ومقاومته ضد الاحتلال، إن كان بالفعل، أو بتوفير القدرات، أو حتى بالحماية، أو المظلة التي شكّلها. هذا يعني أن القضية الأساسية كانت بالنسبة للجمهور والناخب الفلسطيني هي قضية الفساد والفوضى، وبالتالي لا ترابط مباشر بين الموقف المعارض للفساد والفوضى، والموقف المعارض للتسوية والمفاوضات، وفي استبيان قرأته مؤخراً في جريدة »الحياة« يشير من جهة لارتفاع التأييد لحماس دون أن يعني ذلك تأييداً لمواقفها تجاه القضية ونظرتها السياسية، وقد أيّد ثلاثة أرباع المستطلعين المفاوضات بين الحكومة الفلسطينية وإسرائيل، وأعلنت غالبية الثلثين تأييدها لحل الدولتين في إطار الاعتراف المتبادل بين الدولتين.

أعتقد أن المواطن الفلسطيني لا يضع موقفه المؤيد لحماس فيما يتعلق بالمسائل الداخلية على السوية نفسها وامتداد الموقف نفسه من السياسة التي ما زالت حماس تقرّها حتى الآن. هذه مشكلة أود أن أشير إليها قبل أن أنتقل إلى النقطة الثانية المتعلقة بالنظام السياسي الفلسطيني، والسؤال: هل دخلت حماس للسلطة، أم تريد بناء نظام سياسي آخر؟! أستطيع أن أقول إن حماس انتقلت إلى النظام السياسي الفلسطيني عندما وقعت على إعلان القاهرة الذي يعني الاعتراف بـ م. ت. ف ممثلاً شرعياً ووحيداً هذه نقطة أولى وقاطعة. وتبنّيها ثانياً قانون انتخابي ينطوي على مدلول المشاركة في الانتخابات التشريعية إلى جانب الانتخابات المحلية يعني أن من يشارك بآليات انتخابية لتجديد مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني (التشريعي والمحلي) وما يترتب عليهما يعني أنه انتقل إلى النظام السياسي الفلسطيني، وبات مقيماً في هذا النظام، والصراع الذي يدور حالياً وهنا بين قوسين (نجد أن المشكلة الديمقراطية الفلسطينية التي سمحت بأن تنعقد الانتخابات التشريعية في 25 / 1، لكن هذه الإشارة الديمقراطية الفلسطينية لا يجب أن تلغي لحظة واحدة أن صاحب القرار لم يكن يملك عملياً الخيار لدفع الأضرار، أي إدارة الظهر لاستحقاق الانتخابات). لأنه نشأت حالة لدينا في الأراضي الفلسطينية المحتلة ينطبق عليها بالضبط التعريف بالحالة الثورية المعروفة، أي أن الشعب لم يعد بإمكانه أن يتحمّل أكثر، وله سلطة لم يعد بإمكانها بفسادها وفوضاها أن تستمر لفترةٍ أطول، لذلك أقول: إن التحوّل الذي جرى في النظام والقضية المطروحة الآن على بساط البحث هي عملية صراعية لها علاقة بموقع، ودور ونفوذ وبرامج القوى الحية الفاعلة والمشاركة بهذا الأمر.

لكن عندما نريد أن نجيب عن هذه المشكلة علينا أن نأخذ بعين الاعتبار ما يلي:

القضية الأولى: إذا كان توازن القوى هو الذي ينتج الحالة أو الصورة القيادية، ففي الحالة الفلسطينية المحدّدة، باعتبارها تحت الاحتلال، والسلطة القائمة (حتى لا ننسى) هي ليست سلطة كاملة، بل سلطة تحرر وطني، ومرحلة تحرر وطني، ولصياغة السلطة، وهيئات السلطة، ومؤسسات وقيادة السلطة، لا يجوز الاحتكام فقط إلى نسبة القوى كما يعبّر عنها صندوق الانتخابات، أو غير صندوق الانتخابات، بل ينبغي لنا أن نجمع ما بين هذا المقياس ومقياس آخر يتمثّل به الائتلاف الوطني العريض على قاعدة البرنامج المشترك، وأنا أعتقد أنه حتى الآن، فإن الأخوة في حركة حماس تجاه الجانب الذي له علاقة بتشخيص طبيعة المرحلة، وتشخيص الظرف الفلسطيني وما يترتب عليه من ضرورة برنامج مشترك.. إلخ.. هذه القصة حتى الآن لا تستوعبها تماماً قيادة حماس، وأستطيع أن أتقدّم بأكثر من دليل على ذلك، لكن أقول: إن طبيعة الوضع، والتطورات الموجودة تسجّل أن حماس تقترب بشكلٍ متدرّج، وربما متسارع، من هذه القناعة، لأنها إذا لم تلجأ إلى صورة البرنامج المشترك المقر في المنظمة، لا تستطيع أن تدير الحالة الفلسطينية بمؤسساتها في إطار النظام، أو بوصفها حالة نضالية متصدية للاحتلال.

إذاً هناك قضيتان الأولى: صندوق الاقتراع الذي يعكس شيئاً من القوة وهو الذي يحدد الصيغة السياسية الحالية، وهناك أمر ثانٍ هو الائتلاف الوطني على قاعدة البرنامج المشترك، وما لم يؤخذ بالاعتبار الأمر الأول، والأمر الثاني لا يستطيع أي وضع فلسطيني أن يقود الحالة الفلسطينية لا بمؤسساتها، ولا بالعملية النضالية، بدليل أن تسع حكومات شكلتها فتح كانت ذات لون سياسي واحد، وعلى الرغم من قوة فتح والدعم العربي والإقليمي والدولي والإمكانيات المالية الهائلة بوجود أبو عمار على رأس المؤسسة الفلسطينية، فقد فشلت الحكومات الفلسطينية، ولم تنجح، وقيادتهم لها، أوصلنا إلى ما نحن عليه بعد نتائج الانتخابات.

 

ماجد كيالي:

أحيي بعض الملامح، ووجهة النظر النقدية التي تقدم بها الرفيق فهد سليمان، وكنت أتمنى أن يذهب أكثر من ذلك في نقده لواقع التيار الديمقراطي.

نحن شعب تحت الاحتلال ولسنا بحاجة إلى سلطة

أبو داوود

بداية أحيي القائمين على هذه الندوة، وثانياً أنا من فتح، ولكن من المهم عندي دائماً فلسطين وليس فتح، فالانتماء إلى تنظيم لا يحجب صورة الرؤيا الفلسطينية عن موضوعيتها.

النقطة الأولى التي أريد أن أبحث فيها، هل نجحت حماس بسبب تأييد الناخبين لبرنامجها السياسي الذي طرحته، أم هناك عوامل أخرى، كما تفضل أبو جهاد والأخ جميل، ساعدت على نجاح حماس مع أن أغلبية المجتمع الفلسطيني لم تكن مؤيدة لهذا البرنامج، بمعنى رفض التسوية من أساسها، وخاصة في الداخل، وأقول في الداخل لأنني عشت في الداخل، وأعرف كيف يفكر الناس هناك.

في الحقيقة ليس هناك رفض من جميع الفلسطينيين للتسوية التي طرحتها فتح، وذلك على الرغم من تمسّك الناس بفلسطين من النهر إلى البحر.

فتح هي حزب السلطة، وطبعاً أي حزب يتسلم السلطة سوف يعاني من كل أمراض السلطة، وأنا أؤيد ما قيل بأن هناك فئة، أو شريحة من فتح حاربت وستحارب، وتبقى تحارب لبقاء القيادات المستفيدة من السلطة على ما هلي عليه، لكن القاعدة العريضة لفتح هي ليست كذلك، وهناك مثلي من يريد فلسطين لا التعصب لفتح، وهناك مثلي من أراد الالتزام بالوحدة الوطنية، وأنا أثني على ما قاله الأخ جميل من أن حماس لم تكن ترغب بحكومة وحدة وطنية فلسطينية، والدليل على ذلك أن الجبهة الشعبية سارت مع حماس إلى آخر الشوط، وليس كما تفضل أخي أبو جهاد أن هناك ضغوطاً على فتح. هناك ضغوط بحدود معينة، ولكنها ليست السبب الوحيد، السبب هو أن حماس أرادت برنامجاً خاصاً بها، وليس برنامج ائتلاف وطني، ولذلك فإن أي ضغوط على فتح من قبل الأمريكان أو غيرهم لم يكن هو العائق الوحيد أمام حكومة ائتلاف وطني، بل العائق الأقوى كان ما أرادته حماس والحلول المطروحة، إذ هل من المعقول أن تبقى حكومة في السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة حماس في الوقت الذي تضرب فيه عرض الحائط بكل الطموحات؟.

برأيي طبعاً العيب ليس بحماس، بل العيب بإسرائيل، وعلينا أن نتذكر أن »أبو عمار«، ومن بعده »أبو مازن« حاولا مع إسرائيل لتقديم الكثير من الحلول، ومع هذا لم تعطهم شعرة واحدة، ولو حاولت حماس الآن أن ترضى بالحلول  المطروحة فلن تحصل على شيء لذلك أرى أن من الأفضل لها أن تنظر إلى هذه النتيجة بشكل مسبق، وذلك قبل تخفيض سقف مطالبها.

أذكر أن التنازل في م. ت. ف بدأ في عام 1974 عندما قبلت الفصائل بالنقاط العشر، ويومها كنت أقول لأخواني وخاصة في الجبهة الشعبية الذين كانت تربطني بهم علاقات رفاقية وبالقيادة العامة أن احذروا هذا التنازل، لأنه سيعقبه تنازلات وتنازلات لا نعرف إلى أين ستأخذ بنا، وبالفعل بدأنا بالنقاط العشر وانتهينا بأوسلو، وأوسلو هو السقف الذي يسيطر الآن على الساحة الفلسطينية الداخلية، وهو سقف مقوّض ومرتبط بالإرادة الصهيونية، وأنت لا تستطيع إدخال (برغي) إلى الضفة أو القطاع دون مشيئة الإسرائيليين بشكلٍ أو بآخر. نعطى مال سهل جداً أن نتصرف به، لكن هذه الحركة إذا نظرت لها تجد أنك ثابت في موقعك.

هل نحن بحاجة إلى سلطة؟! برأيي نحن لسنا بحاجة إلى سلطة من هذا القبيل. نحن شعب تحت الاحتلال، والأفضل لنا أن نكون تحت الاحتلال عشرين سنة أخرى لعلنا نخرج بشيء أفضل من أوسلو الذي جعل من كوادر فتح موظفين بالسلطة. المشكلة أن كل كادر فتح الآن بالسلطة.. في الوزارات والإدارات والأمن، وأصبح وضع منظمة التحرير كله يندمج مع وضع السلطة، لذلك لا بد من إعادة الفصل بين السلطة والمنظمة لإيجاد صيغة ما حتى تبقى منظمة التحرير مستقلة، ولها إمكانية على التحرك خارج إطار السلطة المحكومة بسقف أوسلو. لا بد من البحث لإيجاد مخرج.

 

يجب أن يأخذ الشتات الفلسطيني دوره

بالمشاركة باتخاذ القرارات المتعلقة

بمستقبل الشعب الفلسطيني!

د. يوسف سلامة

واضح من التحليلات السابقة التي تابعناها جميعاً قبل الانتخابات وأثناءها وبعدها، وإلى هذا اليوم، وما رافق تشكيل الحكومة من حركة حماس حصراً.. إلخ.. واضح أن الانتخابات الفلسطينية وعلى الرغم من أنها كانت نزيهة وصادقة وموضوعية فإنها لم تصوّر قدرة المواطن الفلسطيني، أو بالأحرى لم تعبر عن أن الناخب الفلسطيني قد اختار برنامجاً سياسياً دون برنامج سياسي آخر، ومن هذه الناحية، وبهذا المعنى هي انتخابات ناقصة، لأن غالبية الذين صوتوا لم يكونوا يصوتون على برنامج سياسي ضد برنامج سياسي آخر، بقدر ما كان التصويت منصباً على معالجة نقاط معينة في مسيرة فيها الكثير من الأخطاء عمرها عشر سنوات أو أكثر منذ تشكيل السلطة الفلسطينية.

وإذا كانت نتائج الانتخابات لا تعكس بالضرورة اختيار برنامج سياسي دون آخر، فهذا يعني أن هذه الانتخابات تحتاج إلى تشخيص ومعالجة، لأن الأخذ بها كما هي (على الرغم من أن العملية الديمقراطية من ناحية صناديق الاقتراع هي كذلك) سيؤدي إلى كارثة للشعب الفلسطيني، والكارثة هنا ليس بسبب حماس، وإنما يمكن أن تكون حماس أحد العناصر التي ستدخل في الصراع على السلطة مع فتح، وبالتالي يمكن للضغوط الدولية الخارجية القوية على الشعب الفلسطيني أن تؤدي إلى انفجارات داخلية لا تحمد عقباها، لذلك أعتقد أن المطلوب هو تصحيح نتائج هذه الانتخابات، لكن السؤال: كيف نستطيع تصحيح نتائج هذه الانتخابات التي نحن قد أجريناها فعلاً؟! أظن أن الشتات الفلسطيني قد أُهمل إهمالاً كبيراً، ولم يلتفت إليه أحد في أي انتخابات، وبالتالي لا بد من أن نبحث عن طريقة لمشاركة هذا الشتات الفلسطيني حتى يكون هناك نوع من التمثيل الأدق الذي يقترب من الإجماع على برنامج سياسي بدل أن يكون التصويت مستنداً إلى المعاناة الشخصية من سلطة. أعتقد أن الشتات الفلسطيني يجب أن يأخذ دوره في المشاركة باتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل الشعب الفلسطيني ولا يجوز لأهل الداخل فقط أن يقرروا وحدهم مستقبل القضية الفلسطينية، فالقضية الفلسطينية وفلسطين هي للجميع وأظن أن العودة إلى صيغة المجلس الوطني، وإحياء المجلس الوطني، وتوسيعه ورفده بعناصر فيها من الحيوية ومؤهلات ثقافية إلخ.. .. أظن أن هذا الأمر يمكن أن يكون واحداً من الوسائل التي يمكن بها تعديل نتائج الانتخابات لا ضد حماس، ولكن حتى تكون الأمور أكثر موضوعية في تمثيل وجهات نظر الشعب الفلسطيني حيال البرامج السياسية، وهذا لا يعني أننا يجب أن نقيم وزناً لمنظمة التحرير على الرغم من أن فتح هي التي أهملتها وهمشتها، وهي اليوم تطالب العودة إلى م. ت. ف، وتعلن أنها صاحبة الحق الوحيد بالتمثيل، ربما كلمة فتح هذه هي كلمة حق يُراد بها باطل، لأنها خسرت السلطة، ولكن نحن الشعب الفلسطيني، وأعتقد أن المنظمة هي واحدة من مكتسبات هذا الشعب، ولم يتم تحقيقها بسهولة، وبالتالي هي الإطار الدولي الذي يعبر عن مصالح الشعب الفلسطيني، والاعتراف الإسرائيلي والأمريكي والعالمي هو بمنظمة التحرير، وليس بالسلطة، ومن هنا فإن الحديث عن منظمة التحرير بإهمال، أو باستخفاف من قبل حماس. قد يكون أمراً يستحق المنازعة بشكل كبير، ويستحق الأمر أن نهتم ببحث الصيغة التي يمكن أن نحيي على أساسها م. ت. ف، فالقضية الفلسطينية هي ليست قضية الفلسطينيين فقط، ومن يظن  أن القرار المتعلق بالقضية الفلسطينية هو قرار فلسطيني فقط فهذا معناه أنه لا يعمل بالسياسة. القضية الفلسطينية هي قضية إقليمية وقضية دولية وقضية فلسطينية، وعلى ذلك فأي عمل سياسي جدّي يهمل واحداً من هذه الأبعاد الثلاثة للقضية الفلسطينية: وطنيتها وإقليميتها ودوليتها هو إنسان لا يعمل بالسياسة بصورة جدّية، وقد فات الأوان برأيي الذي يستطيع الإنسان فيه أن يجمع بين أن يكون مقاتلاً وسياسياً، في التجربة الفيتنامية كانوا يقاتلون ويذهبون إلى التفاوض، لكن الفيتناميين كانوا يستندون إلى حليفين عملاقين هما الاتحاد السوفييتي والصين، واليوم في ظروف العالم الجديدة لا يوجد حليف جدي للفلسطينيين يستطيعون الاعتماد عليه، وحتى القوى التي يفكر بعض الفلسطينيين بالاعتماد عليها، أو التحالف معها هي ذاتها تبحث عن حلول لمشكلاتها الخاصة مع المجتمع الدولي، ولذلك أعتقد أن نظرة عقلانية فلسطينية متأنية يجب أن تضع هذه الاعتبارات بمقاييس الوزن الحقيقي بشكلٍ هادئ وعقلاني ونقدي، حتى تمتلك البوصلة من جديد، وحتى نعمل أفضل ما يمكن عمله من أجل قضية شعبنا.

ماجد كيالي:

شكراً للدكتور يوسف سلامة أولاً لأنه التزم بالوقت، وثانياً لأنه فتح باباً جديداً للنقاش.

 

أدعو إلى تشكيل ما يسمى مجلس حكماء فلسطين!

أبو أحمد عصام:

أعتقد أن الشعوب والأمم لا تُقاد بالإجراءات، ولكن تُقاد بالتوافقات، أي إذا كانت الإجراءات لا تقوم على توافقات وطنية، وعلى برامج سياسية، فيمكن أن تكون أضرارها أحياناً أكثر من نفعها، ولذلك لا أرى أن الانتخابات كانت ضرورة وطنية ملحّة، بل قد تكشف الأيام أن الانتخابات وإن كانت كإجراءات ديمقراطية ومحترمة هي بقصد ترتيب الوضع الداخلي لأي شعب، ولكن بما أننا كشعب فلسطيني نعيش في ظرف استثنائي وطني متميز، أعتقد أنه كان يجب أن تتم التوافقات الوطنية فيما بيننا قبل أن نذهب إلى الانتخابات، لأن بصراحة أي انقسامات سياسية هي خطر كبير على قضيتنا الوطنية، وإذا بدأ كل منا يتصيّد الآخر، فهذا يصيب القضية بخطر كبير، وفي الوقت نفسه فإن التجمّل أيضاً يضرُّ بالقضية، وبالتالي لا الصدام، ولا التجمّل يعمل، أو ينتج سياسة، بل ما نحتاجه هو الوضوح والصراحة والنقاش القائم على أساس المسؤولية، ومن أجل أن نضع النقاط على الحروف، فذلك هو الأمر الذي يحمي قضيتنا، ويضعنا على طريق الأمان.

الخلاف داخل الساحة الفلسطينية برأيي ليس خلافاً حول الصلاحيات، أو الإجراءات، وأعتقد أن الأطراف جميعها تعرف أن هذا الخلاف هو خلاف سياسي، وليس خلافاً حول صلاحية الرئيس، أو صلاحية السلطة، أو صلاحية الحكومة، أو صلاحية وزير الخارجية أو الداخلية.. إلخ.. بل هي خلافات سياسية بامتياز حول برامج، ورؤى، وحول تقييم العدو، فهناك من يعتقد في الساحة الفلسطينية أن هذا العدو من الممكن التعايش والتفاهم معه، وبالإمكان حتى استيعابه وفق قرارات سياسية أحياناً، ووفق تشاطر أو تذاكي أحياناً أخرى، وهذا أمر لا تحتمله حتى السياسة، لأنني من المؤمنين أن القائد السياسي دائماً عندما يطرح أطروحات لا تقتضيها اللحظة السياسية، أو أكثر مما تقتضيه اللحظة السياسية، يصبح خطراً على القضية التي يعمل لأجلها، فكيف إذا طرح أطروحات أقل مما تقتضيه اللحظة؟!

نحن لدينا قادة يمكن أن يكونوا خطرين جداً على القضية الفلسطينية، وآخرين ضارين بها، وحصراً تعرفون مثل هذه الأنواع، ما أريد أن أقوله، وأنا أتحدث الآن باعتباري أنتمي إلى التيار الإسلامي الفلسطيني، وكنت من المؤمنين والداعين، أتمنى أن تكون الانتخابات ضمن اتفاق وطني واحد، بمعنى أن تدخل حماس والجهاد والشعبية والقيادة العامة، والديمقراطية.. .. وكل الأخوة الآخرين ضمن اصطفاف وطني واحد، وبرنامج سياسي واحد ورؤية سياسية واحدة، لأن الفرقة ليست فرقة حول من يكون الرئيس، أو من يكون عضواً في المجلس التشريعي، بل المعركة حول أي نظام سياسي سيختار الشعب الفلسطيني، وأي برنامج سياسي سينتخب. فإذا فوّض الشعب الفلسطيني حماس يجب أن نعترف بذلك، ويجب أن نفخر بذلك ولا نتغير، وأنا حتى بوصفي إسلامياً أعتقد أن الشعب الفلسطيني إذا صوّت للجبهة الديمقراطية فيجب أن أفخر بذلك، وإذا صوّت للقيادة العامة كذلك الأمر.. وذلك لأنني أعتقد أن اختيار الشعب الفلسطيني بالنسبة لي هو اختيار محترم ومقدّس.

وما دام أن الشعب الفلسطيني قد فوّض حماس تكريماً لها، فهو أيضاً حمّلها مسؤولية، وإذا كانت هذه المسؤولية تضع حماس في المرتبة الأولى، فهذا لا يعفينا نحن (باقي الفصائل) من المسؤولية، بل يضعنا كلاً في موقعه، وحسب قدرته، وبالتالي أنا مع ما قاله الأخ أبو جهاد من ضرورة إعطاء الفرصة الكاملة لحماس، ولكن على قاعدة التوافق الوطني، وليس على قاعدة التسليم الوطني، بمعنى أننا لا نريد أن نخلق تفرّداً جديداً في الساحة الفلسطينية، لأننا كلنا عانينا من التفرد القديم.

التفويض الذي مُنح لحماس نؤيده ونباركه، ويجب أن يدفعنا نحن وحماس إلى الإسراع بترتيب جبهة الداخل الفلسطيني، والمطلوب الآن أن نجلس معاً، لأننا كلنا في السابق نتحمّل مسؤولية عدم ترتيب البيت الفلسطيني، وأنا واحد من الذين شاركوا في البدايات في الحوار الفلسطيني الفلسطيني، وأعتقد أننا كلنا نتحمّل المسؤولية في عدم إنجاز هذا الترتيب.

اليوم مطلوب منا مسألتين: المسألة الأولى: هي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، والمكان الوحيد الذي يستطيع أن نحمله ويحملنا هو منظمة التحرير. هذا الإطار تعرض لعملية تشويه مقصودة وإساءة وإهمال، ويجب أن يعاد بناء المنظمة من جديد، ويجب أن نميّز دائماً بين المؤسسة والسياسة. المؤسسة هي م. ت. ف كإطار وطني جامع للشعب الفلسطيني، لا يجوز بأي حال من الأحوال التقليل من شأنه، أو الإساءة إليه، أو حتى التشكيك في شرعيته. لكن المطلوب إعادة بنائه على أسس وطنية جديدة، ورفده بدماء جديدة وكلنا مع المادة البنّاءة وهذه مسألة في غاية الأهمية.

المسألة الثانية: وهي أيضاً في غاية الخطورة، وأعتقد أنه لا يمكن إنجازها دون إنجاز المهمة الأولى وهي: كيف ندعم صمود شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج؟!

لقد التقيت بعد الانتخابات مع الأخوة في حماس، وقلت لهم هذا الكلام. قلت لهم نحن اليوم نستطيع، أو أنتم تستطيعون أن تعزّزوا صمود الشعب الفلسطيني. أي فلسطيني في الداخل والخارج.. في الشتات وأينما كان. هذا الفلسطيني الذي تم تركه وإهماله.. وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال الإطار الوطني الذي لا يُستبعد أحدٌ فيه.

لماذا أقول بموضوع التوافقات؟! لأن الكثير من الشخصيات الوطنية قد يخدمون القضية الوطنية أكثر من أشخاص آخرين. قد يكون هناك شخص قدّر له ربنا إمكانيات وعلاقات وأوضاعاً تفيد شعبه وتعزز صموده أكثر من شخص آخر لا تتوافر له نفس الظروف، لذلك يجب ألا نعيش عقدة القوة والكثرة، وأنا أعتقد أنه حتى في القرآن الكريم لم يذكر القلة إلا في سياق المدح، ولم يذكر الكثرة إلا في سياق الذم، فالكثرة في عقيدتنا الإسلامية مذمومة، إلا في حالة واحدة عندما نحقق النصر، وعندما نحقق أساسيات الناس والالتزام بقضايا الناس.

حول النقطة المتعلقة بالنظام السياسي الفلسطيني، أنا من خلال قراءاتي القليلة والمتواضعة لبعض تجارب الشعوب المتقدمة، اكتشفت أنه في كل الشعوب المتقدمة، وكل الحالات الاجتماعية التي تريد أن تتقدم، تشكل في داخلها ما يسمى مجلس حكماء، ونحن اليوم فعلاً بحاجة لمجلس حكماء فلسطين، هذا المجلس يجب أن يضم علماء دين مسيحيين ومسلمين ومفكرين وأدباء وشعراء، ويضم أيضاً خبراء في السياسة والعسكر.. إلخ.. وهذا أول بند أعتقد أنه يجب أن يوضع على جدول الأعمال ضمن ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني، لأنه إذا تُركت الأمور بدون الاستفادة من كل طاقات شعبنا فهذا خطأ، حتى في القرآن الكريم يقول »اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون«، وأهل الذكر، هم أهل الخبرة، وأهل المعرفة، هم أهل الاختصاص، وهؤلاء كثر، وهؤلاء موجودون بيننا وفي بلاد الشتات، ويجب أن نأتي بهم. أعتقد أن هذه المهمة أيضاً ملقاة بالدرجة الأولى على الأخوة في حماس.

ما أريد أن أقوله إن التفويض الشعبي الذي أُعطي لحماس يجب ألا يصيبنا بعقدة، ويجب ألا يصيبنا بأي نوع من الندم، ولا يثير بداخلنا أي خوف من الغريزة، لأنه إذا تخلصنا من مسألتين: مسألة الحسابات الشخصية والفئوية، ومسألة الثأر والانتقام الذي يدمر أي شعب، أو أي عمل سياسي، أو أي عمل إيجابي، أو أي عمل عام فسوف ننجح، ولذلك إذا تحرك فعلاً بعضنا باتجاه بعض، ولا سيما أننا الآن في سفينة، وقد يخرق هذه السفينة عاقل دون أن يدري، وقد يخرق هذه السفينة أحمق دون أن يدري، وقد يخرق هذه السفينة مشبوه وهو يدري، وقد يخرق هذه السفينة أي كان، هذه السفينة إذا غرقت فسنغرق جميعاً، ما أريد أن أقوله إن اللحظة، لحظة دقيقة، وصعبة، تحتاج إلى حكمة كبيرة، وإلى نفس طويل، وإلى صبر.

وأختم كلامي، »والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر«. وشكراً.

 

يجب البحث عن طريقة تنظم العلاقة بين المقاومة والسلطة!

د. عدنان عبد الرحيم

إن وجود مائة وخمسة وستين ألف موظف هو استمرار لتقاليد قديمة استمرت منذ ثلاثين عاماً، والسؤال: من يموّل مثل هذه الكتلة الهائلة من الموظفين ويدفع رواتبها. الفضيحة الكبرى برأيي عندما ظهرت هذه المشكلة بعد أن منع الاتحاد الأوروبي المساعدات عنا.

ليست مشكلة حماس أنها لا تستطيع دفع رواتب الموظفين هذا الشهر، أو الشهر الذي يليه، بل المشكلة أن هذه الكتلة البشرية، ثلاثة أرباعها عاطلون عن العمل، فهل يمكن تحويلها إلى فريق عمل ينتج، لأننا لا يمكن أن نعتمد على الأوروبيين في دفع الرواتب في الوقت الذي نريد فيه مقاومتهم والتصدي لمخططاتهم ومخططات الأمريكان.

هل يُعقل أن نتصدى لمخططاتهم على حسابهم وبتمويل منهم؟! هذا تناقض مفجع يجب التفكير فيه، قبل أن نفكر فيما إذا كان برنامج حماس ينسجم أو لا ينسجم مع المرحلة. ثم من قال إن المشكلة هي مشكلة برامج؟ الأخ أبو مازن لديه برنامج، وفتح كان لديها برنامج فماذا حصّلت من وراء برنامجها بعد اتفاق أوسلو؟!

هل حصّلت الانسحاب الإسرائيلي من غزة؟! لقد خرج العدو من غزة لأنه لا يريد البقاء فيها. صار هناك مقاومة شريفة من أهالي غزة فخرج العدو. في الوقت الذي لم يخرج فيه من مكان آخر على الرغم من البرامج المتساهلة والمتفهمة للمرحلة. هذا شيء مخجل نحن في الساحة الفلسطينية يتذاكى بعضنا على بعض، وبعضنا يطالب حماس بأن تعترف بالشرعية الدولية في الوقت الذي نضع في رأسنا أن القرار الوحيد الذي يهمّنا هو أن تعترف إسرائيل بدولة فلسطين. نحن الفلسطينيين (أو بعض منا) يطالب حماس أن تعترف بإسرائيل مقابل لا شيء. قد أفهم أن يطلب الرئيس مبارك من حماس أن تكون متفهّمة ومدركة لطبيعة المرحلة.. إلخ.. ولكن لا أستطيع أن أفهم أن يطلب فلسطينيون ومنظمات فلسطينية من حماس أن تتنازل وتعترف مجاناً بإسرائيل تحت عناوين ويافطات كبيرة مثل: وثيقة الاستقلال، وقرارات الشرعية الدولية.. إلخ.. نحن نعرف ماذا يُقصد عندما يطلب من حماس الاعتراف بالقرارات الدولية والشرعية الدولية وماذا سيحصل، والباقي عبارة عن تذاكي بعضنا على بعض، وممارسة شطارة.. فإذا اعترفت حماس بالقرارات الدولية والشرعية الدولية فهل ستحصل على ما لم تحصل عليه فتح التي اعترفت بكل شيء تقريباً؟!

أبو مازن الآن في الرئاسة، فماذا قدموا له  سوى الإهانات والشتائم؟! إلخ.. هناك موقف كان مخجلاً جداً حين تم اعتقال أحمد سعدات، ولم يتحرك جسم في رئاسة السلطة. هذا منتهى الذل والإهانة للشعب الفلسطيني، وللسلطة بالدرجة الأولى. ماذا كان الجواب على هذا الموضوع؟!

أنا أسأل أسئلة وأتمنى أن أسمع أجوبة من الأخوة حين يتحدثون عن اتفاق أوسلو الذي بات أساس السلطة الوطنية.

تعاودون الكرة آلاف المرات، وهناك حل واحد ليس هو العادل والشامل، سواء كان الشريك أبو مازن، أو غيره. ماذا كان الرد عليه؟! »العودة لمطالبة حماس بالاعتراف بإسرائيل«، لذلك هذه أسئلة تُطرح على الجميع، وليس فقط على فتح، أو حماس: ما الطريقة التي يجب أن نتوصل من خلالها إلى تنظيم أنفسنا ما بين مقاومين وسلطة؟!

ما حصل في غزة بجزءٍ منه هو نتيجة مقاومة، وليس نتيجة مفاوضات. لم يفاوضونا، ورفض الإسرائيليون حتى التنسيق الأمني مع رجال السلطة أثناء الانسحاب وهو الحد الأدنى، لذلك أقول: إن السلطة بوضعها الحالي، وبما هو متوافر لها شيء طريف.

بمعنى أن الاتحاد الأوروبي الذي يدفع خمسة وسبعين مليون دولار، هو لا يدفعها برأيي إلا من أجل أبعاد معينة وضعنا فيها. بهذا الوضع نحن لا نتمتع بسيادة ما، ولسنا دونها تماماً والإسرائيليون يقومون بتصفية المهمة، لذلك يفترض أن يُعاد النظر في هذا المشروع، ويُعاد النظر في اسم السلطة بوصفها سلطة في طبيعة هذه  السلطة، وهل تريد أن تحرّر أو لا تريد؟!.

بعد كل هذه السنوات اكتشفنا أن العدو لا يخرج من أرض إلاّ مرغماً، ومع ذلك نعود للتحدّث عن المروءة والتفهّم ونظام القوى العالمي الذي لم نستفد منه شيئاً.

بالنسبة لمسألة البرامج، ومقارنة برنامج حماس مع البرامج الأخرى. أعتقد أن لكل البرامج القوة التي جربت لفترة طويلة ولم تنتج شيئاً. نحن الآن أمام سلطة برأسين، فلماذا تستقبل أوروبا أبو مازن ولا تستقبل النواب الذين انتخبهم الشعب الفلسطيني، فمن باب اللياقة وباب الاحترام للذات كان المفروض أن يكون هناك وحدة موقف على الأقل بين الحكومة والرئاسة، فإذا كنا نعتقد أن هؤلاء انتخبهم الشعب الفلسطيني ويمثلون هذا الشعب، فلماذا تذهب الرئاسة إلى أماكن يمنع عنها الآخرون؟!

الوضع الفلسطيني بتقديري لم يعد يحتمل نقاشات بيزنطية بين السلطة والمنظمة، والمفروض برأيي إعادة النظر في الوضع الفلسطيني كله، وليس فقط في كون حماس نجحت أو لم تنجح.. .. ينبغي لنا النظر بكيفية تنظيم عمل مقاوم ضمن الإمكانيات المتاحة، لأن الطريق الذي نسير فيه، لن يوصل إلى شيء.

 

أجاد الشعب الفلسطيني القتال

والمقاومة، وأجاد العمل الديمقراطي!

د. مريم أبو دقة

أعتقد أن هناك دروساً مهمة برزت على ضوء الانتخابات: الأول أن النتائج جاءت ردّاً على السياسة الأمريكية وعلى كل من يدعون الديمقراطية، والثاني أن الشعب الفلسطيني أثبت أنه كما أجاد القتال والمقاومة أجاد العمل الديمقراطي ولو في ظل الاحتلال، وعلى الرغم من الاعتراف بأن الانتخابات كانت شفافة وديمقراطية فإن نتائجها رفضتها عملياً الولايات المتحدة وأوروبا، والدرس الثالث أن الشعب الفلسطيني استطاع لأول مرة أن يحاسب من هم في السلطة، وذلك بغض النظر عن فوز حماس فيها. أنا كنت أتمنى أن تكون الجبهة الشعبية هي الأولى، والجبهة الديمقراطية تتمنى ذلك بالتأكيد، ولكن بغض النظر عن ذلك علينا أن نحترم إرادة الشعب الفلسطيني خاصة إذا كان الأمر تداولاً سلمياً للسلطة وتعددية. فبعد أربع سنوات قد تتغير المعادلة، ومن يكون في السلطة قد يصبح في المعارضة، وأيضاً البرامج التي طُرحت في الحملات الانتخابية، إذا لم تُمارس بالشفافية نفسها فسوف يفقد أصحابها المصداقية وبالتالي سوف تشطب.

لدينا ملاحظات كثيرة حول م. ت. ف، فالمنظمة في المحصلة هي نتاج تراكم نضالي كبير، ولا يمكن شطب هذا التاريخ، فمكانة منظمة التحرير شيء ومسألة التمثيل فيها شيء آخر.

أعتقد أن أي تنظيم فلسطيني لن ينجح إذا أراد أن يقود الساحة الفلسطينية ببرنامجه فقط. فتح لم تنجح لأنها قادت ببرنامج فتح، وحماس لن تنجح إذا قادت ببرنامج حماس، والمطلوب للخروج من كل التعقيدات والصعوبات الموجودة دولياً وإقليمياً وداخلياً الاصطفاف الوطني على قاعدة النقاط المشتركة، والقاسم المشترك، وعلى صعيد السلطة تشكيل حكومة ائتلاف وطني، وعندما أقول القاسم المشترك الرئيس أعني م. ت. ف بوصفها ممثلاً شرعياً ووحيداً مع إعادة بناء وتفعيل وتطوير المنظمة ومؤسساتها.

المشروع الوطني ليس حكراً على حماس أو الجبهة الشعبية أو فتح، وأعتقد أن واجبنا كلنا يقتضي الالتزام بهذا المشروع وتعميقه بالاتجاه الصحيح، والمدخل لهذا إعادة تشكيل المجلس الوطني بمشاركة الداخل والشتات لتطويق الأزمة، فالسلطة تمثّل الداخل وهي ذراع لمنظمة التحرير، ويجب أن تستكمل حتى نستثمر كل طاقات شعبنا في الداخل والخارج وبرأيي كان هدف الاحتلال من انسحابه من غزة هو تحييد غزة عن المقاومة، وهذا مشروع قديم - جديد، وخطة أولمرت الآن هي استكمال هذا المخطط الذي سيخلق مشكلات كثيرة، فإذا توحدنا نستطيع أن نغلق هذه المقصات من حولنا، ليس من سبيل أمامنا إلاّ حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على رص الصفوف للشعب بالانطلاق من القواسم المشتركة.

 

ماذا تريد حماس؟!

د. ماهر الشريف

سأحاول أن لا أكرّر ما قيل، وسيتركّز حديثي على نقطتين: أعتقد أن سبب الأزمة التي تواجهنا اليوم هو تعثّر المشروع الوطني الفلسطيني القائم على قاعدة دولتين، واعتراف متبادل، واعتماد طريق المفاوضات للوصول إلى هذا الهدف. هذا هو سبب أزمتنا الفلسطينية. في هذا الإطار، ومن هذا المنطلق أريد الدخول إلى ما يسمى بالنظام السياسي الفلسطيني المشكّل من القوى التي حملت مشروع الدولتين، والاعتراف المتبادل واعتماد المفاوضات للوصول إلى هذا الهدف. إذ نتيجة إخفاق هذا المشروع، تفاقمت أزمة النظام السياسي الفلسطيني بالإضافة إلى العوامل التي ذُكرت من قبل الأخوة مثل: تفاقم الأيديولوجيا السياسية، والتغيير على الصعيد القومي، وتماهي فتح مع السلطة.. إلخ..

لكن هذه الأزمة تترافق اليوم مع تحوّل نوعي جديد، وهو صعود تيار من خارج الحركة الوطنية الفلسطينية، ووصوله ليس فقط إلى السلطة بل وأيضاً اكتسابه نفوذاً شعبياً داخل أوساط الشعب الفلسطيني، سواء في الداخل أو الخارج، وفي بيئة عربية مواتية تريد التغيير وتعتقد أنه يجب أن يعطى التيار الإسلامي الفرصة ليجرّب سياساته وبرامجه.

في هذه البيئة المواتية جاء فوز حماس في الانتخابات تتويجاً لمسيرة صعود بدأت مع تشكّل الحركة منذ عام 1987، وبقيت في تصاعد مستمر إلى أن انتهى في تتويجها في الانتخابات.

استطاعت حركة حماس منذ البداية أن تقوم على جناحين: الجناح التقليدي وهو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وجناح وطني فلسطيني، ولأنها استطاعت أن تقوم على هذين الجناحين وصلت إلى ما وصلت إليه من نفوذ شعبي، وباتت في نظر الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني الرافعة المحتملة للحركة الوطنية الفلسطينية، لكن هناك سؤال يُطرح هنا: ماذا تريد حماس؟!

من خلال متابعتي لسياسة الغموض البنّاء التي تبنّتها حماس لا أستطيع حتى الآن الإجابة عن هذا السؤال المركزي الذي سيحدد مواقف الأطراف الأخرى، وأيضاً مستقبل الحركة الفلسطينية.

هل تريد حماس الاندماج في النظام السياسي الفلسطيني القائم ممثلاً بـ م. ت. ف؟ الرفيق فهد أجاب عن هذا السؤال بـ(نعم) أنا أشك في ذلك أولاً: أستطيع حتى الآن أن أعرف أن هناك مواقف متناقضة من الأخوان في قيادة حماس حول هذه المسألة. لا يكفي الاجتماع وإعلانات النوايا في القاهرة. الأخ خالد مشعل مثلاً في لقائه مع نقابة الصحفيين في القاهرة طرح شعار: إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وهناك فرق كبير بين إصلاح م. ت. ف باعتبارها هي البيت الفلسطيني، وبين إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال رافعة جديدة، هذا سيعيد طرح الإشكاليات التي طُرحت في منعطفين رئيسين  من منعطفات الحركة الوطنية الفلسطينية 1964 1968 بمعنى آخر سنعيد إشكاليات: التكتيكي والاستراتيجي، سنعيد إشكاليات الوطني والبعد (ليس القومي اليوم) وإنما الإسلامي، سنعيد طرح إشكاليات الداخل والخارج، وستطرح إشكالية جديدة لم تكن موجودة وهي العلمانية والدين، في هذا الإطار أتمنى أن نسمع أجوبة الأخ خالد مشعل عن هذه الأسئلة، ونناقش الأمر بصورة أوسع.

 

د. ماهر الطاهر

أعتقد أن السلطة الفلسطينية قد وصلت إلى مأزق وطريق مسدودة، ونتائج الانتخابات جاءت بهذا الشكل، لأن الشعب الفلسطيني أراد أن يوجه رسالة لإحداث حالة جدل جديدة، ومن ثم لإحداث تغيير.

طرحت ورقة عمل المركز أسئلة هامة جداً، وكلٌّ منها يحتاج إلى ورشة عمل خاصة، إذا ما أردنا أن يأخذ الحوار حقه، لكنها افتقدت برأيي سؤالاً هاماً وأساسياً حول القوى التي لم تشارك في الانتخابات لأن لهذه القوى وجهة نظر تقول إن هذه الانتخابات تجري في ظل الاحتلال، وربما يكون من أبرز نتائجها إضعاف المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وهذه وجهة نظر جديرة بالنقاش، خاصة إذا لم تستطع حركة حماس الجمع بين استمرار المقاومة المسلحة، والسلطة وهو أمر صعب باعتقادي. قد نخسر عاملاً أساسياً في المقاومة على الأقل في المدى المنظور، وكان من المفروض طرح سؤال حول الرأي الذي رفض المشاركة في الانتخابات في ظل الاحتلال وما الحيثيات التي يستند إليها في هذا الموقف.

تقول الورقة بحصول انقلاب في النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتخابات التشريعية، وبرأيي حصل هذا الانقلاب قبل ذلك بكثير. حصل عندما تمّ توقيع اتفاقيات أوسلو. قبل اتفاقيات أوسلو كان يُعبّر عن النظام السياسي الفلسطيني في إطار منظمة التحرير التي لها برنامج واضح متفق عليه فلسطينياً، بعد ذلك انتقلنا إلى برنامج آخر. في تلك اللحظة حصل انتقال شامل من برنامج إلى برنامج آخر هو برنامج أوسلو، وبالتالي الانقلاب لم يبدأ مع انتخابات المجلس التشريعي.

السؤال الآن: ما مصير شعار الهدف المرحلي؟! وربما الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى ندوة خاصة.

 

ماجد كيالي

أود أن أوضح أن الموضوع هنا مقصود به الانقلاب داخل النظام السياسي الفلسطيني، وليس بالفكر السياسي الفلسطيني، لأننا إذا أردنا الحديث عن انقلاب الفكر السياسي الفلسطيني سنعود إلى برنامج النقاط العشر ومن ثم أوسلو، لكن المصطلح يقصد به هنا: النظام السياسي الفلسطيني.

 

التناقضات الداخلية باتت شغلنا الشاغل وليس الاحتلال!

د. ماهر الطاهر

نحن بحاجة إلى استعادة نقاط ميتة في الساحة الفلسطينية حول هل هناك أفق فعلاً لإقامة دولة فلسطينية وذات سيادة عبر التفاوض؟!

برأيي هذا الموضوع وصل إلى طريق مسدود إسرائيلياً، وهو خط أحمر، أي ممنوع إقامة دولة فلسطينية، وبات واضحاً للجميع أن اتجاه الحل المطروح إسرائيلياً لا علاقة له بالحل المطروح عبر إطار م. ت. ف (إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أرض الـ1967 وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين) وبالتالي هل نعيد الاعتبار لشعار الدولة الديمقراطية على كامل الأرض الفلسطينية، ونبدأ العمل على ثقافة جديدة في الواقع الفلسطيني، أم نستمر بالتمسّك بشعار الدولة المستقلة؟!.

يتحدث موفاز عن الحاجة لإحداث تغيير في الوعي الفلسطيني، وضرب الثوابت الفلسطينية والثقافة السائدة عند الفلسطينيين، لكنهم لن ينجحوا في ذلك بل على العكس الحوارات التي تجري في أوساط الشعب الفلسطيني وما يتعلق بالوعي والثقافة، يتجه باتجاه التمسك بالثوابت الفلسطينية والمقاومة بينما التصريحات الإسرائيلية: لا دولة مستقلة، لا حق عودة، لا قدس وكأن هذه القضايا من المسلمات بالنسبة لهم.

تحتاج السلطة الفلسطينية الحالية برأيي إلى استفتاء من قبل الشعب الفلسطيني، وهي من وجهة نظري باتت عبئاً على الشعب الفلسطيني، والحديث يتصاعد حول التناقضات الداخلية وليس حول التناقض الرئيس مع الاحتلال. وشغلنا الشاغل أصبح مناقشة الأوضاع الداخلية والحكومة، وليس خطة أولمرت، وكيف سنواجه الاحتلال.

حول مسألة المشروع الوطني والمشروع الإسلامي، برأيي يجب أن لا نجعل المشروعين متقابلين، أو متضادين، أو متعارضين، بل ينبغي لنا أن نعمل (وهذا استخلاص على ضوء تجربة الأعوام الخمسة الماضية) لبناء جبهة عريضة تضم التيارات القومية واليسارية والإسلامية كلها حتى نواجه التناقض الرئيس مع الاحتلال الصهيوني الذي يستهدف الجميع، وهناك قواسم مشتركة واسعة في إطار هذه الاتجاهات، ونحن سنقع في خطأ جسيم إذا وضعنا الأمور في إطار التضاد.

نقطة أخرى أشارت لها ورقة العمل وهي أن الانتخابات أعطت مؤشراً إلى انقسام الساحة إلى قوتين رئيستين هما: حماس وفتح، وهناك تهميش للقوى اليسارية، وهذه حقيقة علينا أن نعترف بها، ولكن صناديق الاقتراع أعطت هذه النسب الضئيلة للقوى وليس للاتجاه العام للقوى اليسارية والديمقراطية الذي له ثقل في الشارع الفلسطيني قد يصل إلى حدود 30%. لكن الحوامل التي تعبّر عن هذا الاتجاه انتابها القصور والضعف، على الرغم من إدراكي أن قانون الانتخابات لو كان على أساس التمثيل النسبي الكلي لكانت الصورة اختلفت كمّياً لكن هذا لا يلغي الجوهر أي ضعف القوى اليسارية.

برأيي أخيراً أن منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة الاعتبار لها هو المخرج الأساس لحل المأزق. الأخوة في حماس يتحدثون عن إعادة بناء منظمة التحرير، وهم يقولون: نحن مستعدون أن ننخرط في إطار م. ت. ف ولكن على أساس إعادة بناء مؤسساتها، وليس على أساس منظمة جديدة. بالتأكيد هم لديهم رؤية لأن يقودوا م. ت. ف. هذا أمر قائم بالتأكيد. هم استطاعوا قيادة الحكومة الفلسطينية، ولديهم قناعة الآن أن من الممكن أن يقودوا المنظمة. نحن أيضاً في الجبهة الشعبية نطرح إعادة البناء لأن م. ت. ف دُمرت في الحقيقة. لم يبق لا مجلس وطني، ولا مركزي، ولا أي مؤسسة من مؤسسات م. ت. ف، كلها دُمرت وبالتالي نحن بحاجة إلى إعادة البناء.

أما حول مسألة التيار العلماني والديني، فنحن نريد الإجابة عن السؤال: هل نستطيع أن نجد صيغة لتوافق برنامجي بين التيارين على أساس مواجهة التناقض الرئيس مع المشروع الصهيوني.. إذ قد يكون هناك قرار دولي وعربي لمنع إعادة بناء المنظمة.

 

قد تأتي الديمقراطية بنتائج رديئة!

سمير الزبن

حول مأزق الحل الذي طُرح على أساس الدولتين. جزء من مأزق هذا الحل أنه قام أساساً بتفكيك المشروع الوطني الفلسطيني، وأنا بصراحة لا أرى أن هناك مشروعاً واحداً في الساحة الفلسطينية، بل هناك مشروع وطني تفكّك، وبناءً على تفككه صعد مشروع إسلامي.

قد تأتي الديمقراطية بنتائج رديئة، وبالتالي لا نستطيع القول: إن لدينا صندوق اقتراع ولدينا ديمقراطية، ولا أستطيع القول: إن بنية الشعب الفلسطيني هي ديمقراطية، حتى لا نبيع أوهاماً ليست حقيقية. العامل الخارجي برأيي كان مؤثراً في إجراء الانتخابات أكثر من العامل الداخلي الذي لم يكن حاسماً في التفاعلات الداخلية، إذ طالما طالبت المعارضة بالإصلاح منذ أيام م. ت. ف، وطُرحت حلول من هذا النوع لكنها لم تُنجز، والسبب أن بنية القوى، والنظام السياسي الفلسطيني ممثّلاً في م. ت. ف لديه إشكال كبير يتمثّل بالطبيعة الفردية للقيادة الفلسطينية.

هناك سؤال كبير يجب الإجابة عنه: هل هناك حل تاريخي ممكن؟!

أعتقد بوجود توافقات دولية، إقليمية، عربية وفلسطينية إلى حد ما حدّدت مسار الحل في إطار الضفة الغربية وقطاع غزة حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية. تعثّر هذا المشروع. نعم، ولكن هل هناك حل ثانٍ؟! وهل من الممكن أن يكون مربط خيل المقاومة الفلسطينية تل أبيب ودحر الاحتلال كما في تجارب حركات التحرر في أماكن محددة؟!

هناك الكثير من الغموض حول هذا المشروع لا يبرّر قضايا لها علاقة بطبيعة الصراع الداخلي. بمعنى أن حماس للأسف انتصرت على فتح داخل وضع فلسطيني مأزوم أساساً، وهي لم تنتصر على إسرائيل. إن فعالية الخلافات الداخلية هي أعلى بكثير من هذه المسألة.

تقول حماس: إن الحل الدائم للصراع بتحرير كامل التراب الفلسطيني ممكن، أنا أعتقد أنه غير ممكن على الإطلاق. وبعد أن تسلمت حماس السلطة هل تستطيع الدفاع عن حل مطلق؟! هناك قضايا غير مفهومة. لا أستطيع أن أفهم مثلاً أن يموّل الأوروبيون والأمريكان حكومة حماس، وعندما يقف التمويل يُقال إن هذا حصار للشعب الفلسطيني. ألم يحاصروا عرفات ويأخذوا منه الصلاحيات ويرحلّوها لرئاسة الوزراء، واليوم تجري عملية معاكسة.

من قال بالأساس إنهم يدعمون الشعب الفلسطيني؟! جوهر المسألة أن هؤلاء موّلوا عملية السلام. قبل أوسلو لم يكونوا يمولون م. ت. ف، وبعد العملية صاروا يموّلون السلطة وفي ظل وضع متداخل يوجد فيه سلطة واحتلال.

والسؤال: هل السلطة أيام فتح كانت سيئة، وسوف تصبح أيام حماس سلطة وطنية؟! السلطة في ظل هذه الوضعية هي.. هي، والدبابات الإسرائيلية ما تزال تدخل إلى الأماكن نفسها، ولكن هناك قضايا تأخذ أحياناً طابعاً تحليلياً أيديولوجياً وترفع شعارات كبيرة. هذا الأمر يختلف فعندما تكون في المعارضة شيء، وعندما تصبح في السلطة شيء آخر. هناك قد تحاصر كحزب، ويُعتقل أو يلاحق أعضاء هذا الحزب، ولكن عندما تصبح في السلطة يتم محاصرة الشعب، وبالتالي تحتاج المسألة إلى حسابات سياسية من نوعٍ آخر.

حول الأسئلة الأساسية: هل ستكون م. ت. ف مخرجاً للوضع الفلسطيني؟! أعتقد أنها ليست مخرجاً، بل هي كانت سقالة أو رافعة لبناء هذه السلطة، وهي لم تعد تلزم أحداً، سواء كانت السلطة مع فتح أو حماس. ربما تبقى كواجهة أو فلكلور. لا أحد يريد م. ت. ف وهي ليست لازمة، والتاريخ لا يسمح لك  باستعادة أشياء انتهت.

تكاد تكون السلطة الفلسطينية اليوم نهاية مطاف المسيرة التاريخية الفلسطينية في إطار أراضي الـ 1967. هذا هو الحل التاريخي الممكن، وبهذا المكان انتهت رحلة منظمة التحرير. كما قلت قد تبقى واجهةً، ولكن لا يمكن استعادة كونها شكلت الكيان الوطني، وبنت الوحدة الوطنية الفلسطينية في السبعينيات وهذه مشكلة حقيقية.

ما أريد قوله: إن  الانتخابات أحياناً هي وسيلة لحل الصراعات، بينما في الساحة الفلسطينية وبدلاً من أن تحل وتنظّم الصراعات خلقت تعقيدات جديدة. والديمقراطية بهذا المعنى ليست حلاً لكل شيء، ولا سيما أننا لسنا في دولة مستقلة.

أعتقد أن جزءاً من المقاييس أن تبنى دولة قادرة على إقامة كيانها بنفسها، وتحسم وضعها في الداخل وتحوّل نفسها بنفسها، لكن الوضع الداخلي الفلسطيني محكوم دائماً من خارجه، وهذا الأمر ليس جديداً، لأن كل الشروط السياسية مطلوبة من الفلسطينيين، وجرت سلسلة تنازلات أصبحت آلية تكيّف بحكم الضغوط التي تُمارس على الفلسطينيين من كل الجهات الدولية والعربية، وها هي حماس تعيد تشكيل التجربة بطريقة تكاد تكون رسماً كاريكاتورياً، على الرغم من النموذج الذي جاء بها بطريقة ديمقراطية، لكن هذه الديمقراطية لن تحل المشكلة لحركات تحرر، لأن هناك صراعاً ذا طبيعة تناقضية على اتجاه آخر. هذا الصراع ينعكس هنا بطريقة لا يمكن أن يذهب معها إلى النهايات، حيث لا إمكانية لحرب يمكن أن يقف فيها معك الوضع الإقليمي من أجل دحر القوى الإسرائيلية على الأقل في المدى المنظور وأعتقد أننا في السياسة نتحدث في حدود الممكن، ولا يمكن أن نراهن على القدرات الإلهية، لأن ما قاله إسماعيل هنية في خطبة الجمعة »إن الله يحمي هذه البلاد« أمرٌ لا يقدم ولا يؤخر في السياسة.

أعتقد أن المشروع الوطني الفلسطيني تفكك وهذه مشكلة حقيقية، وفي الوقت نفسه لا أعتقد أن المشروع الإسلامي هو مشروع صاعد على الأقل فلسطينياً لأن الوضع محكوم بالاحتلال، وهناك استعصاء غير قابل للحل بشكلٍ أو بآخر.

 

ماجد كيالي

هناك أفكار كثيرة ومهمة قدمت في المداخلات، ولكن حرصاً على الوقت، أعتذر عن التعقيب، أو التنويه بالأفكار المهمة.

 

حماس تصارع فتح على برنامجها!

يوسف فخر الدين

أعتقد أن إسرائيل أجهضت الحل القائم على إمكانية قيام دولة مستقلة، مما فجّر الكثير من إشكاليات البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الفلسطينية، انعكست بداية بالانتفاضة الثانية، وعادت لتتجلى بموضوع الانتخابات وفوز حماس، وبهذا المعنى يستحق الأمر البحث المعمق دون التسرّع للوصول إلى خيارات بديلة، لأن الحكم المسبق والنهائي،  والتمسك بهذا الخيار أو ذاك وبناء وحدة وطنية على أساسه سيدفع إلى أزمة سياسية بمستوى آخر، وسنحصل على وحدة وطنية مأزومة.

على ضوء الانتخابات واضح أنه من الصعب الحديث عن بناء وحدة بين حماس وفتح بل هناك أزمة سياسية بينهما، وبالوقت نفسه من الواضح أن حماس تسعى إلى إقصاء القوى السياسية الأخرى، وبالتالي الهيمنة السياسية على الوضع السياسي الفلسطيني.

كنت أعتقد أن السجال بين فتح وحماس هو نقاش موضوعي على المشروع، ويمكن أن نفهم ذلك على الأقل من خلال الخطاب السياسي والبرنامج الذي طرحته حماس وأعلنت فيه: »أنه ليس هناك حزب، أو حركة، أو رئيس، أو ملك، أو خلافة.. إلخ.. أو أي جهة يمكن أن تقايض على الأرض الفلسطينية التي هي وقف إسلامي«، ولكن بعد الانتخابات صرنا نسمع من حماس حديثاً عن »هدنة«، أو حتى عن دولة مستقلة عاصمتها القدس، وبالتالي اتضح أن حماس تصارع فتح على برنامجها وهذا يحيل إلى سؤال آخر هو: ما مبرر الصراع السياسي الذي تخوضه حماس مع فتح، إذا لم يكن الأمر على تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني باعتباره وقفاً إسلامياً؟!

هل لدى حماس مشروع آخر استقلالي أم هو مشروع دولة مستقلة، أم هو باتجاه أبعد (الهيمنة الإسلامية على المجتمع)، وربما نظرة أبعد باتجاه مشروع إسلامي في المنطقة؟!

 

إن إعادة ترتيب البيت الداخلي

الفلسطيني هو خطوة أولى ضرورية!

علي الكردي

أعتقد أنه ليس لدى الفلسطينيين استراتيجية سياسية، أو مشروع سياسي واضح. كان الحديث يجري عن دولة فلسطينية مستقلة يمكن تحقيقها عن طريق المفاوضات في أراضي الـ 1967، وعبر السنوات العشر الماضية ثبت أن هذا المشروع أوصل ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية إلى الأزمة المعروفة، حيث انفجرت الانتفاضة الثانية، وكان هناك تصوّر للجمع ما بين خيار المقاومة وخيار المفاوضات، ولكن بعد سنوات الانتفاضة إذا نظرنا إلى النتائج نجد أن الأمور باتت أسوأ على غير صعيد. الآن وعلى ضوء الانتخابات نسأل: هل لدى حماس مشروع إسلامي غير المشروع الوطني الفلسطيني، وهل يستند مشروع حماس إلى مرجعيات أخرى، ويعتمد طرائق وآليات عمل أخرى؟! حتى الآن هذا الموضوع ما يزال غامضاً، وأعتقد أن الضغط الدولي الذي جرى على السلطة وأبو مازن لإجراء الانتخابات في موعدها، يتساوق مع الرؤية الأمريكية وسياستها الاستراتيجية تجاه أوضاع المنطقة كلها، إذ بعد احتلال العراق، وبعد تفجّر مشكلات كثيرة في المنطقة العربية لم تعد القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، ومع صعود الإسلام السياسي في المنطقة برز ميل لدى الإدارة الأمريكية والغرب عموماً للتعامل مع الإسلام السياسي من أجل استيعابه وتفكيكه من داخله، وبالتالي هناك تصوّر لدى الغرب لاستيعاب الإسلام السياسي الوسطي ضمن معادلات جديدة للرد على ما يسمى بالإرهاب، أو الاتجاهات الأكثر تطرفاً، وفي هذا السياق نأخذ بعين الاعتبار تجربة تركيا، وما جرى في الانتخابات المصرية، وما يجري في المغرب.. إلخ.. وأعتقد أن ما جرى في فلسطين هو نوع من المختبر لكيفية التعامل مع هذه الظاهرة، ولا سيما أن الساحة الفلسطينية هي تحت السيطرة في ظل الاحتلال، ودون أن يعني ذلك أن الغرب يسلّم بالمسألة، إذ قد ينجح هذا الحل وقد لا ينجح، وأنا هنا لا أعتمد على نظرية المؤامرة بل هناك كثير من المحللين ومراكز الدراسات التي تحدثت بهذا الأمر.

من جهة أخرى من الواضح أن إسرائيل ماضية في تنفيذ مشروعها للانسحاب الأحادي دون مفاوضات مع الفلسطينيين، بذريعة أنه لا يوجد شريك فلسطيني ومشروع »كديما« الذي يتحدث عنه أولمرت »خطة الإنطواء« يعمل على تحديد حدود إسرائيل، ولا مشكلة لديهم أو لدى الأمريكان أن يقيم الفلسطينيون على ما تبقى من أشلاء الضفة إمبراطورية وليس دولة غير قابلة للحياة، وبالتالي سوف يبقى المأزق قائماً، ومن هنا يجب التفكير فلسطينياً بشكلٍ جدّي لبلورة تصورات أخرى، فإذا كانت فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، والاعتراف المتبادل بدولتين وشعبين غير ممكنة، لماذا لا يجري التفكير مرة أخرى بفكرة دولة علمانية ديمقراطية على كامل الأرض الفلسطينية. وطبعاً هذه الفكرة قد لا تكون مقبولة إسرائيلياً، ولكن بالمعنى الاستراتيجي يجب أن يجري التفكير فيها فلسطينياً، والعمل على بلورة فهم ما حولها لأنها قد تكون مقبولة من قبل الرأي العام العالمي ومن قبل بعض الأطراف الإسرائيلية، ويمكن البناء عليها بالمعنى السياسي والتفاوضي والإعلامي.. وبالمعنى المقاوم أيضاً.

إن ما جرى في العراق مرتبط بالعمل على نسف فكرة المشروع القومي وفكرة العروبة من أساسها وفي القلب منها القضية الفلسطينية، وهذا المشروع يجري العمل عليه في إطار إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في المنطقة وعلى أساس تسعير النزاعات المذهبية والطائفية والمثال العراقي واضح على هذا الصعيد، وبغض النظر عن مدى نجاح أو فشل هذا المشروع، فمن الواضح أنهم يعملون لكي تصبح إسرائيل جزءاً طبيعياً من نسيج  المنطقة في إطار التمزيق والتقسيم وقيام دولة شيعية، ودولة مارونية وأخرى درزية ودولة عبرية.. إلخ.. وهناك ظروف موضوعية ومقومات جاهزة تربةً أو مناخاً لهذا المشروع الذي لا يمكن الرد عليه إلاّ بإعادة الاعتبار لمشروع قومي ينهض على أسس ديمقراطية علمانية تعتمد على الثقة بالذات والانفتاح على الآخر وهذا الموضوع ليس فلسطينياً فحسب وإنما له بعد عربي وامتدادات دولية إذا ما عرف العرب أين تصب مصالحهم.

أخيراً: إن العمل على إعادة ترتيب البيت الفلسطيني هو بالتأكيد الخطوة الأولى الضرورية، وأنا لست مع النظرة المتشائمة التي تقول إن منظمة التحرير انتهت وأصبحت من الماضي. بالتأكيد تحتاج المنظمة إلى إعادة بناء وتفعيل لمؤسساتها وآليات عملها وبرامجها وتوجهاتها على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات التي حصلت، فإذا كان الحوار جدّياً بين القوى والفصائل الفلسطينية المعنية بالوقوف أمام المخاطر التي تهدّد الجميع، فسوف تجد صيغاً للتوافق المشترك بعيداً عن المصالح الفئوية والحسابات الصغيرة، وهذا يحتاج إلى عمل مستمر، ويجب ألاّ نمل من طرح هذا الموضوع.

 

هل انتقلنا من فئوية فتح إلى فئوية حماس؟!

سليمان دباغ

بالعودة إلى فكرة أن الانتخابات شكلت انقلاباً سياسياً، أو انقلاباً داخلياً للتغيير في النظام السياسي الفلسطيني، أنا أرى أن هناك سلسلة انقلابات في تاريخ النظام السياسي الفلسطيني، أوسلو كان أحدها، ولكن قبل أوسلو كان هناك أيضاً انقلابات أخرى، وسلسلة من التحولات الفلسطينية التي أوصلت، أو صاغت النظام السياسي الفلسطيني على الشاكلة التي كانت قائمة ما قبل الانتخابات، والسؤال: هل الأخوة في فتح وحماس كانا يصارعان من داخل النظام السياسي، أم يصارعان على النظام السياسي الفلسطيني؟! هذه النقطة بحاجة إلى تدقيق. هل حركة فتح، حتى في خضم إمساكها بتلابيب النظام السياسي الفلسطيني كانت تؤمن بشرعية صناديق الانتخابات، أم تؤمن بشرعيات أخرى من نمط الشرعية الثورية والشرعية التاريخية التي لم تحكم حركة فتح فقط وإنما حكمت كل الفصائل الأخرى؟!

إن خوض الانتخابات في ظل أزمة سينتج عنه أزمة أخرى، وهذا لا يقلّل إطلاقاً من الاعتراف بأهمية الانتخابات، لكن الواضح أيضاً أن ردود الفعل الأولية عليها، ليس له علاقة بإعطاء الحكومة فرصة، وإنما له علاقة بالنظرة إلى كيف يرى الأخوة في حماس النظام السياسي الفلسطيني المطلوب، ولهذا يجري الحديث عن إخفاق البرنامج أو المشروع الوطني وتفكيكه مما أدى إلى الوصول إلى طريق مسدود، ولكن هل البرنامج الوطني كاملاً وصل إلى طريق مسدود؟! أم ينبغي إعادة صياغة برنامج وطني جديد؟

أعتقد أن هذا الأمر يحتاج إلى عدم التسرّع، ورمي البرنامج الوطني خلف ظهرنا، بذريعة أن ليس له فرصة للنجاح، وبالتالي التعلّق بأوهام غير قابلة للتحقيق، بمعنى لا يمكن وضع البرنامج الوطني والدولة المستقلة وحق العودة في مقابل الدولة الديمقراطية العلمانية، لأن هذا البرنامج من طبيعة تختلف عن ذاك بصورة جذرية، وبالتالي لا يمكن مناقشة أي مشروع دون مراجعة سنوات الجمر العشر الأخيرة، حيث جرى تفكيك البرنامج الوطني، وجرى تفكيك م. ت. ف، وفرط الائتلاف الوطني داخل المنظمة، وكل هذا لم يجر التدقيق فيه لتفسير، لماذا وصل البرنامج الوطني الفلسطيني الذي كنا نتخيله إلى الحد الذي وصل إليه؟

لذلك  سقط النظام السياسي الفلسطيني بضربة خاصة، بحكم عدم نهوض قوى تتمكن من إزاحته من داخله، في اللحظة التي ظهرت فيها قوى حديثة شكلت قوى تغيير نقيضة، وهذا يفتح الباب أمام مناقشة دور القوى الديمقراطية والوطنية والقومية واليسارية التي أقول بصراحة إنها تحولت إلى قوى محافظة، بدلاً من أن تلعب دورها بوصفها قوى تغيير، ولا يكفي لتفسير إخفاق هذه القوى القول: إنها فقدت ثقة الشارع بها بوصفها قوى وأحزاباً سياسية، لأنها بتقديري تحولت هي نفسها إلى قوى محافظة في مواجهة قوى التغيير، وبالتالي لا بد من السؤال هل قوة التغيير باتت من مشروع آخر هو المشروع الإسلامي، الأمر الذي يفسر نتائج الانتخابات، أم أن أصوات حماس حصدتها من جمهور القوى الوطنية والديمقراطية والليبرالية، وليس فقط من جمهور فتح، وجمهور التيار الديمقراطي المحافظ؟ هذا الأمر أيضاً يحتاج إلى تدقيق لنعرف أي نظام سياسي تعمل حماس على صوغه.

من المعروف أن حماس جاءت من رحم الإخوان المسلمين، وإذا كانت الفكرة الأيديولوجية التي يعتمدها الإخوان المسلمون تقوم على أولوية أسلمة المجتمع ومن ثم القفز إلى السلطة، فإن الإنجاز النظري والعملي لحماس في هذا المجال هو أنها قلبت الأولويات، فهي عملت في الحالة الفلسطينية داخل أوساط المجتمع وصولاً إلى السلطة، ومن ثم سوف تنتقل إلى الخطوة المعاكسة وهي: أسلمة المجتمع، وإلا ماذا يعني تصريح هنية أنه سيعيّن وزيراً لشؤون تأصيل التشريع، بحيث تُحال كل القوانين إلى منطقة التشريع الإسلامي.

وفي أول جلسة للمجلس التشريعي ظهر أننا انتقلنا من فئوية فتح إلى فئوية حماس التي طرحت قضايا للتصويت لا تحتاج إلى تصويت، وبغض النظر عن الضغوطات الأمريكية التي لم تتوقف يوماً، لا يصلح الاختلاف حول البرنامج الوطني لأنه ليس برنامج فصيل بعينه، وعندما يقدم فصيل ما تنازلاً عن برنامجه فهو يقدمه تنازلاً لصالح البرنامج الوطني، لأنه لا يمكن صياغة برنامج وطني فلسطيني إلا من مجموع تنويعات برامج القوى الوطنية الفلسطينية، ولا أعتقد أن حماس لا تدرك ذلك.

 

نعم.. حماس تمثّل مرحلة

تصعيدية مع العدو.. ولِمَ لا؟!

إبراهيم الراهب

إن قضايا التاريخ والثورات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ولكن لا يجوز أن نرسم لكل ثورة طريقاً محدداً، إذا لم تسرْ به تُتهم بأنها منحرفة ومتخلفة.. إلخ.

هناك الكثير من التجارب التي بدأت بدايات بسيطة جداً، وتحولت مع الزمن إلى ثورات، ومثال على ذلك كوبا، والجزائر.

وهناك فارق كبير برأيي بين من يصنع العمل داخل الأرض المحتلة وبين من يرى العمل من خارج الأرض المحتلة، فأنا الآن لا أستطيع أن ارى الوضع في الداخل كما يراه أي مناضل في الداخل، لأنني بعيد عن هذا الوضع، لذلك ربما حركة حماس ترى في قطاع غزة وجود مائة ألف مقاتل يحملون البنادق معها، وقد ترى أن الشعب الفلسطيني قد يكون قادراً على تحمّل الحصار والتجويع لمدة سنتين ويصمد، بمعنى أن هناك أموراً لا نستطيع أن نتحدث عنها من بعيد، لأن من يتحدث عنها هو الداخل.

لقد انتصرت حركة حماس في الانتخابات برأيي لأسباب كثيرة منها أنها بنت منظمتها في الداخل وليس في الخارج، لأن هذا الخارج كان باستمرار عبئاً على القضية الفلسطينية سواء بالتكلفة المادية، أو لجهة الانخراط في النظام العربي.. إلخ..

السبب الثاني أن حماس امتلكت الفرصة لبناء كادرها السياسي والعسكري في ظل الصدام الذي كانت تقوم به المقاومة في لبنان أو غزة، وهناك سبب آخر وهو النظافة المادية، بمعنى أن الجماهير لم ترَ لدى حماس فساداً أو متاعب مالية بالمقارنة مع فساد السلطة، كذلك قدمت حماس نموذجاً نضالياً استشهادياً خلال أعوام الانتفاضة سبّب خسائر لإسرائيل فاقت كل ما سببته المقاومة لإسرائيل من خسائر باستثناء حرب لبنان.

هذه العوامل شدت الشارع الفلسطيني والعربي والدولي لحماس، لذلك أُلصقت بها تهمة الإرهاب والأسلمة وما إلى ذلك من كلام يردّده الكثيرون. الإسلام لا يخيف. الإسلام هو دين يعترف بكل الديانات، وحماس تقول: أنا لا أحارب اليهودية بوصفها ديناً، لأن ديننا يعترف باليهود أصحاب كتاب.

بتقديري هناك محاولات كبيرة، وتأثيرات يخلقها الغرب فينا، مما خلق انقلاباً كبيراً في التفكير، والآن العقل العربي والفلسطيني يقوده التطبيع.. تطبيع العلاقات مع إسرائيل ومع الأمريكان، وبالتالي يجب أن يعي المثقفون تأثيرات الإعلام الذي يصب حالياً في محاصرة التفكير، لنقتنع أنه لا خيار أمامنا إلا هذا الخيار.

ما فعلته حماس أنها خرقت هذا الخيار، لذلك انفتحت عليها برأيي أبواب جهنم من قبل أمريكا والاتحاد الأوروبي، وهما من المعادين للمشروع الوطني الفلسطيني.

تتعرض برأيي الشخصي القضية الفلسطينية الآن لخطر كبير، بل ربما هناك مذبحة تُعد للفلسطينيين، لذلك فالمزيد من دعم البرنامج الوطني يعني دعم حماس لأنها هي التي تمثّل الآن موقع العمل المسلح والعمل السياسي في الساحة الفلسطينية، وبالتالي فإن دعم هذه الظاهرة، وإتاحة الفرصة أمامها لكي تتفاعل مع الشارع والناس هو ضرورة. صحيح أن الديمقراطية قد تنتج نازية ولكن بالمقابل قد تنتج قوى ديمقراطية حقيقية، وعندما تثبت التجارب أن حماس قد تحولت إلى »هتلر« يمكن أن نواجه المسألة، لكن حماس حتى الآن هي حركة تقول بالتغيير، وتقول بالرأي والرأي الآخر، وتقول بتداول السلطة، ولم تخرج حتى الآن عن قرارات الشرعية الدولية وتعطي مثالاً أن أبو عمار بكل ما فعله لم يأخذ شيئاً، وكذلك أبو مازن، لذلك تقول حماس: أريد أن يعطوني حتى أعطيهم، وهذا عمل سياسي بامتياز.

تمثّل حماس مرحلة جديدة تصعيدية مع العدو. نعم ولِمَ لا؟.

أخيراً، إذا عدنا لموضوع م. ت. ف، فمنذ عام 1964 وإسرائيل لديها قنبلة تود أن تبادلها. كان هناك مشروع تحويل نهر الأردن، وأيضاً فشل الوحدة بين سورية ومصر، وأيضاً تجربة الجزائر وانتصار الجزائريين.. كل هذه الأحداث أثّرت في أوضاع الفلسطينيين الذين شكلوا تنظيمات لهم عام 1964، حيث كان لدينا اثنان وعشرون تنظيماً في لبنان، ثم جاءت هزيمة حزيران 1967 للنظام العربي الذي عجز عن إعادة أراضيه حتى الآن، وبعد أربعين عاماً من الاحتلال، وبعد أربعين عاماً من المقاومة والوحدة الوطنية الفلسطينية التي تقدم على برنامج اسمه عودة الأراضي المحتلة عام 1967، وعدم التنازل عن حق اللاجئين واستمرار النضال ماذا حدث؟!

إن معركة 1967 لم تغلقها حماس ولا أبو عمار ولا فتح.

رئيس وزراء إسرائيل أشكول قال عام 1967 في الكنيست أربع نقاط ما زالت إسرائيل متمسكة بها بعد أربعين عاماً. قال: لا تنازل عن القدس. مفاوضات منفردة مع كل جانب عربي على حده. لا عودة لأراضي 1967 كاملة، ويجب فرض الصلح على العرب بالقوة.

حتى الآن تقوم السياسة الإسرائيلية على هذه الثوابت، وقد ساعدت مع ذلك أموال النفط العربي التي تدفقت على المقاومة إلى حد التخمة المالية، في الوقت الذي تجرى فيه لقاءات مع الصهاينة في الغرب وساعد على ذلك أيضاً الوضع العربي الذي لا يريد أن يقاتل من أجل فلسطين، لذلك أنا مع كل القوى الصاعدة للنضال ضد الاحتلال الإسرائيلي.

 

تشكيل القطب الديمقراطي الثالث هو

أحد أهم عوامل التغيير للخروج من المأزق!

خالد أبو الهيجا

الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني /فدا/

بعيداً عن التكرار أبدأ من ملاحظة أولى وهي ردّ على مقولة يجري تداولها كثيراً (أن الشعب الفلسطيني انتخب وانحاز إلى برنامج حماس باعتباره يمثل برنامج ونهج المقاومة). أعتقد أن على حماس أن تقوم بقراءة أكثر واقعية وأكثر شمولية لواقع وحيثيات التصويت الذي تم من قبل الناخب الفلسطيني، عشية الانتخابات البرلمانية الفلسطينية، وأرى أن عدة اعتبارات أدت إلى النتائج التي رأيناها منها الداخلي وعلى سبيل المثال:

- حالة الفوضى والفلتان الأمني التي كانت سائدة.

- استمرار »الاستفزاز الشعبي« مما يشاع عن فساد أجهزة ومؤسسات السلطة وهناك شبه ماكنة كانت تروج لهذا محلية وعربية.

- حالة الانقسام داخل فتح نفسها والمشكلات التي برزت بداخلها عشية الانتخابات، والشكل الذي تقدمت به فتح للانتخابات خاصة في الدوائر (تعدد المرشحين وبالتالي تشتت الأصوات التي صبت في صالح حماس) وكلنا نتذكر أن نسبة لا بأس بها من أصوات الناخبين من أجهزة الأمن »الفتحاوية« ذهبت لصالح حماس وهذا ما عبر عن أن هناك نسبة لا بأس بها من أصوات حزب السلطة ذهبت لصالح حماس في شكل من أشكال التعبير عن الاحتجاج وعلى الوضع القائم ومعاقبة السلطة على بعض سلوكياتها.

ومن الاعتبارات التي أدت إلى هذه النتائج، العوامل الخارجية، وأهمها:

- انسداد آفاق الحل والتسوية ووصولها إلى طريق مسدود بسبب التعنت الإسرائيلي المدعوم أمريكياً، وتحديداً في وجه برنامج أبو مازن الذي دعا بكل وضوح إلى أن التفاوض والسلام هو صلب برنامجه للوصول إلى حل مع الإسرائيليين.

وفي النقطة نفسها، علينا أن نتذكر أن الناخب الفلسطيني الذي انتخب قبل عام تقريباً السيد محمود عباس رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية وفق برنامجه السلمي المعلن، هو نفسه الناخب الفلسطيني الذي انتخب حماس بأغلبية للمجلس التشريعي، ولكن أرى أن الاعتبارات التي ذكرتها سابقاً هي التي حكمته في الانتخابات البرلمانية.

الملاحظة الثانية: ما بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية: هناك سؤال يطرح نفسه، هل نحن ننتقل من تفرد وهيمنة من قبل فتح، إلى تفرد وهيمنة جديدة من قبل حماس؟

هناك بعض المؤشرات على ذلك، منها لجوء المجلس التشريعي الجديد بزعامة حماس وفي أول جلسة له إلى التصويت بـ(مع) أو (ضد) على جملة قضايا طرحت في تلك الجلسة، دون الأخذ بعين الاعتبار وجود آراء وألوان متعددة من الآراء تجاه القضايا المطروحة فاللجوء للتصويت يعني الحسم المباشر من قبل الكتلة الكبيرة لحماس لصالح وجهة نظرها نظراً للأغلبية التي تتمتع بها في المجلس، وكذلك عند تعيين رئاسة المجلس (الرئيس والنائبين) من حماس.

التفرد والهيمنة بزعامة فتح تعايشت معه القوى السياسية الفلسطينية على مدى عقود، هذا صحيح، ولكن كان هناك بالحد الأدنى برنامج مشترك شكل قاسماً وطنياً، اسمه برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وكانت هذه القوى راضية بما يقسم لها من قبل فتح، هذا صحيح أيضاً، ولكن كان هناك آلية تحكم هذا التعايش وهذا الائتلاف، تتصف لحد ما بالديمقراطية قياساً بالمناخ العام (العربي) الذي عاشت ضمنه م. ت. ف.

التفرد الجديد من قبل حماس، تقدم بمجموعة من الشعارات، وببرامج في الحد الأدنى من الوصف هي بعيدة عن الواقع وهي منحازة تماماً لبرنامج حماس بوصفه حزباً سياسياً، وكأنه الوحيد في هذه الساحة التي تتصف بالتعددية السياسية والفكرية والبرنامجية، ولم يأخذ بعين الاعتبار، ضرورة توحيد كافة جهود وطاقات هذه القوى والجماهير كافة لمواجهة الاحتلال، باعتبارنا لا زلنا في مرحلة تحرر وطني تتطلب جهد وطاقات الجميع.

الملاحظة الثالثة: حول ما يطرح عن م. ت. ف وإعادة بنائها أو إصلاحها أو إعادة الاعتبار لها، وموقف حماس منها؟

أعتقد أننا جميعنا متفقون على أن م. ت. ف ومؤسساتها، قد عانت خلال الماضي الكثير من الخلل من خلال التفرد الذي كان يحكمها به شخص واحد، (الشهيد ياسر عرفات) وكذلك من هيمنة حركة فتح على جسم مؤسساتها وفي العقد الأخير (بعد أوسلو) ونشوء السلطة الوطنية الفلسطينية عانت أكثر من ذلك، حتى وصل الوضع إلى حد التهميش الكلي للمنظمة ومؤسساتها. بل جرى الدمج ما بين السلطة والمنظمة من خلال الدمج بين منصبي رئيس المنظمة ورئيس السلطة، واعتماد جملة الحركة السياسية الفلسطينية على السلطة ومجلس الوزراء، والإبقاء على اللجنة التنفيذية للمنظمة مرجعيةً سياسية، واستخدامية، غير فاعلة.

ولكن أعتقد أن إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية وعلى أساس برنامج يشكل قاسماً مشتركاً بين الجميع واعتراف حماس بها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ودخولها عبر انتخابات و(أشكال أخرى حيثما تعذرت الانتخابات) تشكل مهمة وطنية تقع على عاتق الجميع، ولا سيما على حركة فتح التي لا بد لها من الإقلاع عن سياسة وأفكار الحزب المهيمن والمتسلط على المنظمة. وحتى لا نقع مرة أخرى تحت تسلط وهيمنة جديدة.

كما أعتقد أن اعتراف حركة حماس بالمنظمة يشكل أحد المخارج لحماس من مأزقها السياسي الراهن.

إن أية محاولات لإعادة الاعتبار لـ م. ت. ف بالأشكال المقترحة (حوار فصائل العمل الوطني الفلسطيني) لن يكتب لها النجاح، ما لم يؤخذ بعين الاعتبار ضرورة إشراك نسبة لا بأس بها من المثقفين والمفكرين الفلسطينيين المستقلين بهذه الحوارات، وأعتقد أن نسبة 50% من المحاورين من الفصائل و50% من المثقفين والمفكرين المستقلين تشكل الشكل الأنجح والأضمن للوصول لـ م. ت. ف رائدة للنضال الوطني الفلسطيني.

إن اللقاء الذي حصل في العام الماضي في مكتب م. ت. ف في دمشق والذي كان يُعنى بمسألة إعادة تفعيل م. ت. ف تنفيذاً لإعلان القاهرة، وبحضور رئيس المجلس الوطني وهيئة رئاسة المجلس الوطني وحضور ممثلي جميع الفصائل الفلسطينية، يعطي مؤشراً واضحاً على مستوى النقاش وطبيعة الملاحظات الذي لا يمكن وصفه إلا على أنه (حوار الطرشان)، كما يدلل على الاستهتار الفصائلي بالتعاطي مع هذا الموضوع وهزالة الملاحظات والاقتراحات التي تم طرحها وفقدان الرؤية التي يمكن تقديمها في هذا الشأن.

ما طرح حول الوضع الفلسطيني الجديد، وإمكانية أن يترك مفاعيل على الوضع الإقليمي والعربي باتجاه إيجابي عنوانه تعزيز وتوسيع دائرة الجبهة العربية والإسلامية المناهضة للسياسة الأمريكية، والإسرائيلية، أعتقد أن تجربة الانتفاضة التي دامت لأكثر من خمس سنوات وشهدت كل ما يمكن أن يشكل محفزاً لهذا الوضع العربي الإقليمي ولم يحصل تشكل لمثل هذه المفاعيل. لذا أرى أن المراهنة على وضع عربي وإقليمي متطور عما سبق، أرى هذه المراهنة غير دقيقة، على الأقل راهناً.

الملاحظة الأخيرة: من الواضح أن الشعب الفلسطيني يعاني من ثنائية سياسية (منظمة) في صفوفه تتمثلان بـ»حركة فتح وحركة حماس« باعتبارهما القوتان الأساسيتان المنظمتان في صفوف الشعب، مع العلم أن الأغلبية الساحقة من الجمهور الفلسطيني هي بطبيعتها جمهور ديمقراطي، لكنه غير منظم وغير مؤطر، وهذا بسبب من عجز القوى المسماة بالقوى الديمقراطية، أو اليسارية، عن قدرتها على استقطاب هذه القطاعات الواسعة من الجماهير الفلسطينية بسبب تعثرها وتعددها وعدم قدرتها على صياغة برامج تلامس هموم ومصالح هذه الجماهير، وانشدادها الدائم للفئوية والعقلية الفصائلية والحزبية والتقوقع على الذات، والرضا والاكتفاء بما تحققه من مكاسب صغيرة هنا وهناك من الحزب المهيمن.. إلخ، كذلك غياب الحياة الداخلية الديمقراطية داخل هذه القوى نفسها، فالممارسة التنظيمية الداخلية من قبل رأس هذه التنظيمات وهيئاتها الأولى تكاد تكون أشد ديكتاتورية من قوى أخرى لا تدعي أنها قوى يسارية، كل هذا ساهم في انفضاض الجمهور الديمقراطي العريض وابتعاده عن هذه القوى ما ساهم إلى حد بعيد في أن يكون حال هذا الجمهور مبعثراً مشتتاً ليس له تعبير سياسي وتنظيمي موحد ما أدى إلى بروز الثنائية التي أشرت لها.

إن أحد أهم عوامل التغيير والخروج من المأزق (في الحالة الفلسطينية الراهنة) هو ضرورة وأهمية تشكل القطب الثالث (القطب الديمقراطي) والاستفادة من كل التجارب والمحاولات السابقة على هذا الصعيد التي أخفقت للأسباب التي ذكرتها.

أخيراً لا بد من التأكيد على حق حماس في أن تأخذ فرصتها كاملة عبر توفير كافة سبل المساهمة معها لإنجاح برنامج الحكومة الفلسطينية وعدم وضع عراقيل في وجه هذا البرنامج.

ونؤكد على ضرورة استمرار مثل هذه الحوارات واللقاءات لما يمكن أن تقدمه من مساهمات مشتركة للوصول لحلول لأية إشكالات تواجه الوضع الفلسطيني بشكل عام.

 


 

 

تعقيبات

 

د. ماهر الشريف

قيل الكثير من الأفكار في جلسة اليوم، وبرأيي من المفيد غداً مناقشة: ما هي الخيارات البديلة؟!

أنا عندما قلت رأيي بخصوص البرنامج، فهذا لا يعني أنني صرت من أنصار البرنامج الثاني، وإنما عنيت أن أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية هي مأزق هذا البرنامج، ولكن إذا أردنا الحديث عن خيارات أخرى علينا أن نضع هذه الخيارات في سياقاتها، وترابطات القضية الفلسطينية عربياً ودولياً، ولا نكتفي بطرح الشعارات، لأننا يجب أن ندخل في العمق حتى يكون النقاش مفيداً.

النقطة الثانية تتعلّق بطبيعة النظام السياسي القائم، أي عندما قال سمير: هل تريد حماس اليوم الدخول في النظام القائم وإصلاحه من الداخل، وأخذ حصتها، أم أنها تسعى إلى نظام سياسي آخر؟ هذه نقطة مهمة للنقاش هل نريد بناء حركة وطنية فلسطينية جديدة، كما كانت حركة وطنية فلسطينية في الـ1964؟!

فهد سليمان

النقطة المطروحة هي حول الحلول ما بين قوى محافظة، وقوى تغيير في الحركة الفلسطينية. أعتقد أننا جميعاً يجب أن نميز بين مستويين من حيث المبدأ. القوى الوطنية الفلسطينية جميعها تشمل كل الاتجاهات الأيديولوجية في القضية الفلسطينية المتعلقة بمواجهة الاستيطان والاحتلال والنضال من أجل حق العودة وبناء دولة مستقلة.. إلخ.

القوى جميعها هي مع التغيير بالضرورة، يدور النقاش حول مدى استخدامها أو لجوئها لأساليب أكثر أو أقل جذرية في مواجهة الاحتلال ولكن هذا شأن آخر.

عندما ننتقل من الموضوع الوطني، إلى الموضوع المجتمعي، لا بد من أن نطرح القضية على مستوى كبير بين قوى سياسية تحمل برنامجاً محافظاً، وقوى سياسية أخرى تحمل برامج تغييرية. هذا الموضوع مطروح الآن في الساحة لأننا على الرغم مما فرضته علينا اتفاقيات أوسلو من مهام مزدوجة، تجمع ما بين التحرير الوطني وبناء الكيان السياسي من خلال مؤسسات، ما زالت القضية المتعلقة بالتحرير الوطني هي الأساس، وهي التي تأتي في المقام الأول. ننتقل من التحديد الملموس إلى ما يتعلق بالنقطة الثانية المطروحة في الورقة المقدمة من الأخوان في المركز. هل لدى حماس مشروع وطني فلسطيني أو استبدال للمشروع الوطني الفلسطيني بمشروع إسلامي؟ المشروع الوطني الفلسطيني واضح المعالم. تحرير وطني وحق العودة، عندما نتكلم عن مشروع آخر إسلامي، فنحن لا نقصد كما أتصور المسألة المتعلقة بالتحرر الوطني، لكن بصياغات أخرى. عندما نتكلم عن مشروع آخر إسلامي فالأرجح أن المقصود من هذه النقطة ليس التخلي من قبل حماس عن المشروع الوطني التحرري، بل سعيها للجمع ما بين المشروع الوطني التحرري ومشروع التغيير الاجتماعي من منظور عقائدي معين؟ بالعودة لموضوع حماس، الأصل لدى حماس أنها حركة اجتماعية سياسية ذات برنامج إسلامي يريد إعادة تنظيم المجتمع على أسس إسلامية. هكذا كانت حماس قبل أن تعلن عن وجودها في 1987.

أما الرأي القائل الآن إن حماس تشكل جزءاً من حركة التحرر الوطني الفلسطيني، بالضرورة وهي تتبنى برنامج التحرر الوطني، ويقع الكفاح المسلح في القلب منه بالتأكيد، لحد الآن لا مشكلة، لأن الجانب الوطني التحرري من موقع المعارضة ليس فقط للسلطة وإنما للاتفاقيات التي بنيت عليها السلطة. حتى الآن لم يكن يُطرح البعد المجتمعي المحكوم بأساس نشوء حماس. الآن بعد انتقال حماس إلى موقع السلطة، والسلطة التي نتحدث عنها هي سلطة حكم ذاتي، لكنها تملك مساحة كافية للتشريع والعمل والتنظيم، بما يستوعب مساحة معينة من البعد المجتمعي، لذلك على حماس نفسها أن تقدم هذه الإجابة. طبعاً أنا لا أريد الحكم على سياسة حماس من زاوية بعض التصريحات التي أُطلقت، أو المواقف التي اتُخذت بما في ذلك ما ورد على لسان الأخ رئيس الحكومة عندما تكلم عن حكومة بمرجعية إسلامية. أنا لا أعطي هذه التصريحات والمواقف اهتماماً كبيراً، بمعنى لا أعتقد أنه سيترتب عليها بالضرورة ممارسة سياسة متمثّلة لهذه الأقوال، لأن هناك أولويات تحكم الحركة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني، وقد يبقى الكلام كلاماً، ولكن بكل الأحوال، على حماس نفسها أن توضح موقفها إزاء هذه القضايا. بطبيعة الحال توضيح هذه الأمور هو الذي يفتح مساحة النقاش على قاعدة أولوية مشروع التحرر الوطني.

أنا تماماً ضد ما قاله الدكتور ماهر الشريف، بالإشارة إلى أنه يعني بالأزمة: »البرنامج الوطني« أو الرؤية الاستراتيجية التي اختطت منذ العام 1974. أنا أعتقد أن النقاش يقوم على استبدال مشروع الدولتين، ومسألة حق العودة بمشروع دولة ديمقراطية موحدة، السببب بسيط أن تسعى القوى المطالبة بمشروع الدولة الديمقراطية الموحدة إلى أن تتجاوز أصناف نسبة القوى المطلوبة لمشروع الدولتين، يعني هذا، وضع فلسطيني وعربي مختلف تماماً، يسمح بطرح هذه المهمة باعتبارها هدفاً ممكن التحقيق، لا سيما وأن المجتمع الإسرائيلي استطاع في السنوات الأخيرة أن يتوحد بين اتجاهين متصارعين حكما الحياة السياسية الإسرائيلية على مدار عقود من الزمان بمشروع الحل الإقليمي الوسط، وصولاً »لإقامة دولة كاملة على التراب التاريخي لأرض إسرائيل« والملاحظ تراجع القول: في أرض إسرائيل الكاملة، حتى لدى القوى التي تؤيد مشروع الدولتين. من يساند فكرة إقامة دولة ديمقراطية موحدة في ظل القنبلة الديمغرافية مما يطرح تعريفاً آخر للمشروع الصهيوني هو: أنه مشروع الديمغرافيا المعاكسة.

 


 

 

الجلسة الثانية

 

هل يمكن أن توفّق حماس بين موقعها

في السلطة ودورها في المقاومة؟!

مدير الندوة

د. عدنان عبد الرحيم

مساء الخير جميعاً، أرحب بالأخوة من حماس، كنا نتمنى لو كانوا معنا بالأمس، ونحن سعداء اليوم أن الكثير من الأسئلة هي بحاجة إلى إجابات منكم، ولا سيما أنكم الطرف المعني بهذا الموضوع.

شمل الحوار بالأمس الوضع الفلسطيني بشكل عام بما فيه  نتائج الانتخابات الأخيرة في الأرض المحتلة، وبالاختلافات التي تبعتها نتيجة وجود ما سمي بنظام ذي رأسين (رئاسة + حكومة). طُرحت الكثير من الأفكار الجديدة أهمها برأيي: هل دخل الوضع الفلسطيني في طريق مسدود، ولا سيما بالنسبة لبرنامج الدولتين، وقُدِّم اقتراح بـ: هل يمكن العودة إلى الحديث عن دولة ثنائية القومية، وهل هذا يعيدنا إلى المربع الأول؟! هذا جزء من الحوار الذي لا أستطيع استعراضه بكامله، لأنه فعلاً كان حواراً غنياً وواسعاً، واليوم نحن نغتنم الفرصة بوجودكم لسماع أجوبة عن أسئلة هي بشكل رئيس موجهة لكم، والورقة بين أيدينا تعطي فكرةً عن الموضوعات التي سنبحثها اليوم، والتي هي بالأصل تصب في جزء منها بمتابعة النقاش الذي تم بالأمس، وجزء منها في موضوعات جديدة. الفكرة الأولى التي سنناقشها هي نظام الرأسين، وإمكانية التوفيق بين الرئاسة وبين الحكومة في برنامجين يكادان يكونان شبه مختلفين.

السؤال الأهم هو: كيف ستنجح حماس في التوفيق بين عملها الحالي بوصفها سلطة، ودورها السابق في المعارضة وهو مختلف؟ وهل يمكن التوفيق بين المقاومة والعمل في السلطة؟ هذا هو السؤال الرئيس. الكثير من الأخوان أجابوا، لكن طبعاً الجواب الأساس سيكون للجهة المعنية.

هل سيشكل إعادة بناء م. ت. ف الحل المنشود للمرجعية الواحدة في إطار الإشكالات الناجمة عن نظام الرأسين، وهل هناك إمكانية فعلية لإعادة بناء م. ت. ف؟! والسؤال الآخر: كيف يمكن لحماس أن تفاوض إسرائيل في إطار البرنامج الذي كانت تتبناه قبل وصولها إلى السلطة، والذي يبدو أنها لم تتخل عنه عند وصولها إلى السلطة؟ ما هو أثر الانتخابات الفلسطينية في الداخل على الشتات الفلسطيني؟ وهل هذا يعزز دور الشتات أو ما هي الصياغات التي يمكن أن تعيد بها الربط بين نضال الشتات والنضال بالداخل؟! هذه أسئلة عامة مفتوحة للنقاش.

ساهمت الانتخابات في تأزيم الوضع الفلسطيني!

ماجد كيالي

ناقشت الجلسة الأولى بالأمس التداعيات التي نجمت عن الانتخابات الفلسطينية، كنا نأمل أن تكون هذه الانتخابات محطة أولية لإعادة تنظيم الساحة الفلسطينية، وإعادة بناءها، ولكن للأسف الواقع أدى إلى أن هذه الانتخابات كما تبين من الأزمة الحاصلة في الساحة الفلسطينية، أنها ساهمت بتأزيم الأوضاع الداخلية في الساحة الفلسطينية، الآن بعد الانتخابات أصبحت لدينا أزمة بين مؤسستي الرئاسة في السلطة ورئيس الحكومة، لدينا مشكلة بين الحكومة ككيان سلطة، وكيان م. ت. ف. لدينا بنية داخل بنية حركة التحرر الفلسطينية ناجمة عن أن الانتخابات بينت أن هناك تمحوراً فلسطينياً حول قطبين رئيسين يكادان أن يكونا متعادلين في إطار الساحة الفلسطينية. هذه الانتخابات بينت أيضاً واقع انقسام داخل الشعب الفلسطيني إلى اتجاهين بكل ما لهذا الانقسام على الصعيد السياسي، هذه الانتخابات بينت أيضاً أن القوى الأخرى في الساحة الفلسطينية، أعني بها التيارات اليسارية، والتيارات الديمقراطية، والتيار القومي، هذه التيارات تعاني نوعاً من التآكل أو نوعاً من الانهيار في مكانتها أو شرعيتها في الساحة الفلسطينية، إذاً من كل النواحي نحن أمام أسئلة، حول معنى هذه الأزمة في الساحة الفلسطينية. أين ستذهب حركة حماس؟ فهي تقول إنها ضد اتفاق أوسلو، وضد التسوية، لكنها  الآن على رأس الحكومة التي هي معنية بالكيان الذي نتج عن أوسلو. حماس ضد المفاوضات، ولكنها معنية بإدارة أوضاع الشعب الفلسطيني بما يعني ذلك من احتكاك مع الإسرائيليين، مجموعة من الأسئلة طالت مصير حركة التحرر الفلسطينية، إلى أين ستذهب حماس من كونها حركة وطنية أو أنها حركة إسلامية؟ في الحقيقة مجموعة ملاحظات أو إشكاليات طرحت بالأمس ولكن على أرضية أننا معنيون معاً بإنجاح الوضع الفلسطيني، ومعنيون معاً بأن نساهم مع حماس ومع فتح ومع كل القوى الوطنية الفلسطينية في انتشال الحالة الفلسطينية من هذا المأزق، يعني أننا هنا أمام واقع يتطلب منا معالجة ولا سيما على أرضية البرنامج الإسرائيلي المتعلق بانسحاب أحادي من الضفة. مستقبلاً هذا البرنامج يضعنا جميعاً (مهما كانت برامجنا) أي من هو مع تحرير فلسطين ومن هو مع الدولة الفلسطينية، يضعنا أمام تحديات وأمام مسؤوليات كبيرة. وبالنتيجة يجب أن نعمل معاً على تجاوز هذا الوضع، لذلك أي انتقاد، إن كان لحماس أو لحركة فتح، هو انتقاد على قاعدة الأرضية المشتركة، والمصلحة الوطنية المشتركة. المصلحة في التخلص من الأزمة الراهنة في الساحة الفلسطينية.

 

النظام السياسي الفلسطيني لم

يستقر بعد.. وهو في طور التشكّل!

الأخ خالد مشعل / رئيس المكتب السياسي لحركة حماس

أعبر عن السعادة بلقائكم والمشاركة معكم في هذا الحوار. بالأمس تعذر علينا المشاركة، وحتى اليوم كان هناك مشكلة بسبب ضيق الوقت، ولكن هذه فرصة لا تفوّت (بكل أمانة وبعيداً عن التواضع) فرصة ليس فقط أن نتكلم بل أن نسمع، وفي النهاية أنطلق من موضوع النقد. هذا حق عام، وأي حركة ما دامت دخلت الساحة الوطنية تصبح شأناً عاماً، وما دامت تتصدى للهم الوطني فمن حق الجميع أن ينتقدها، وأن يصوّبها، وأن يخطئها. إن شاء الله تكون دائماً الانتقادات موضوعية ولا حرج في ذلك، وهذا حق عام، وأنا بالتالي يسعدني في هذا اللقاء كما سأسمعكم، أن أسمع منكم وإن شاء الله نستفيد، وأحببت أن أحضر معي بعض الأخوة الكرام ليكونوا في مساعدتي بالاستفادة من الأفكار التي تُطرح. نحن معنيون أن نستفيد من كل ما يُطرح، سواء في مثل هذا المنتدى أو غيره.

إذا سمحتم لي في ضوء قراءتي للورقة، والشق الذي لم أحضره، وفي ضوء التلخيص الذي تفضل به الأخ ماجد، وفي ضوء المحاور الجديدة التي طُرحت سأحاول أن أجتهد لأقدّم صورة مختصرة جداً.

في البداية أود أن أعلّق على بعض النقاط الواردة في الورقة. في الديباجة عندي تعليق واحد متعلق بتفسير الحالة الفلسطينية، وهي العبارة التي تشمل المشروع الوطني الفلسطيني وعلاقته بالمشروع الإسلامي المستجد، ثم هل لدى حركة حماس مشروع وطني فلسطيني؟ وهل وصول حماس إلى السلطة يعني استبدال المشروع الوطني الفلسطيني بآخر؟ هذا الطرح طبعاً سوف أناقشه مناقشة موضوعية، لكن كأن يفترض أن لدينا مشروعاً وطنياً، ومشروعاً إسلامياً، وكأن هناك تناقضاً بينهما، وكأن هناك توصيفاً محدداً للمشروع الوطني، والحالة الإسلامية ليست كذلك، أنا طبعاً أُقرْ أن ثمة حالة في المنطقة هي حالة إسلامية، لكن في الساحة الفلسطينية، أو عندما نأتي إلى أي ساحة عربية، أنا معني بالساحة الفلسطينية. نحن نتحدث عن الحالة الإسلامية باعتبارها حالة وطنية. لا بأس أن يعبر أن هناك مشروعاً وطنياً بصيغته السابقة، ولا بأس في أن نتفهم ذلك، لكن لا يوجد مشروع وطني وجاء مشروع إسلامي في الحالة الفلسطينية. بل هو مشروع وطني واحد، له تلاوين مختلفة، وكما كان في الستينيات والسبعينيات هناك حالة وطنية. كان هناك حالة يسارية وحالة قومية في المنطقة، ولكن ذلك لم يمنع أن هذه الحالة اليسارية أو القومية الموجودة على المستوى العربي، أن يكون هناك شيء اسمه مشروع وطني، وبالتالي وجود حالة إسلامية اليوم ولا سيما أن هذه الحالة هي إفراز طبيعي في المنطقة، وجزء من تشكيلة الخلفية الثقافية والتاريخية للمنطقة، أو هي حالة ليست غريبة من ناحية، ولا تناقض بينها وبين  وجود مشروع وطني في المنطقة من ناحية أخرى. إنما تغيرت تركيبة المشروع الوطني. هذا صحيح، دخلت مفردة جديدة ومكونات جديدة هي الحالة الإسلامية. كانت غائبة والآن دخلت هذه الحالة الإسلامية. كانت جزءاً من الحالة الوطنية العامة، وقد يكون التعبير المستعمل في الداخل (القوى الوطنية والإسلامية)، صارت نوعاً من الكلمة أكثر منها توصيفاً للحالة الوطنية. على أن هذه من صفة كذا وتلك من صفة كذا، لذلك نحن اليوم نتحدث عن مشروع وطني. كان مشروعاً وطنياً، وما يزال، وسيستمر مشروعاً وطنياً في مكوناته الجديدة والقديمة وتفاعلاته وإفرازاته التي ربما بعد عشر سنوات، أو أقل، أو أكثر، سنجد فيها مكونات جديدة وسوف يظل مشروعاً وطنياً ما دامت البوصلة السياسية صحيحة، وما دامت أرضيته الفكرية والسياسية والأهداف الاستراتيجية التي يسعى لها هي أهداف وطنية.

أيضاً سأعلق على نقطة في تفسير الحالة الفلسطينية: هل الصراع هو صراع داخل النظام السياسي أم هو صراع على النظام السياسي؟ هل ستتكيف حماس مع النظام السياسي أم أنها تريد السيطرة على النظام؟!

أولاً: نظامنا السياسي الفلسطيني هو نظام في طور التشكيل. لم يستقر بعد، ولا يمر بأوضاع طبيعية، ليس هو النظام السياسي في حالته النهائية أو شبه النهائية، والتسوية عبر أوسلو فرضت شكلاً من النظام السياسي (أصلاً قناعتنا في حماس) أنه شكل غير طبيعي، لأن الفلسفة عندنا كانت وربما هذا ورد في مواقع أخرى أن الأولوية هي للتحرير وليس لإقامة سلطة، لذلك أصل النظام السياسي الفلسطيني كان هو منظمة التحرير بوصفها مشروعاً وطنياً وإطاراً تنظيمياً. هناك فصائل المنظمة هي الإطار العام، وفي الداخل كانت هناك فصائل تقاوم، وبلديات وأطر وطنية، وكنا نعمل كأي شعب يعيش تحت الاحتلال. فرضت التسوية نظاماً سياسياً في الداخل هو بتقديري أصبح، وثَبُتَ أنه عبء على الواقع الفلسطيني، ونحن اليوم نتعامل مع أمر واقع، وليس أمراً اخترناه، بمعنى لو أن حماس أرادت أن تختار، أو أن تبدأ من الصفر، فهي لن تختار الصيغة الحالية، وإنما نحن جئنا إلى واقع واضطررنا للتعامل معه، لكن معيارنا أن لا نغرق في هذا الواقع، فهو نقطة بداية، وليس المنتهى، وإطاره السياسي لن يكون إطارنا، ولن يقيّدنا، أعني أوسلو.

وسنأتي بعد قليل على موضوع التناقضات بين أوسلو، والموضوع السياسي المطروح الآن، إنما أحببت أن أوضّح أن هذا هو واقع النظام السياسي، وبالتالي هو ليس مكسباً، أو فرصة كبيرة بالنسبة لنا لكي نأتي ونسيطر عليه، هو نظام يمكن لإسرائيل في لحظات أن تقضي عليه، كما طيّرت سلطة أبو عمار رحمه الله، بعد سبع أو ثمان سنوات، وفي النهاية حقيقةً لم تأتِ الحركة لتسيطر على هذا النظام لأن إطاره التنظيمي هجين وغير طبيعي، بدليل أنه أفرز الإشكاليات التي تحدثتم عنها. أعني الصراع بين السلطات: سلطة الرئاسة وسلطة الحكومة.

أصلاً النظام السياسي الفلسطيني هو في طور التشكّل، ولم يستقر بعد، وهو ليس دولة مستقلة أو نظاماً معروفاً دستوره وقوانينه. في الحالة الفلسطينية الأمر ليس كذلك، وبالتالي لم تأت حماس لكي تتكيف مع هذا الشكل لكنها تتعامل معه، وأي تطوير نتوافق عليه وطنياً سنوافق عليه، ولنفترض أن إسرائيل جاءت ودمرت هذا النظام، فنحن في النهاية كفلسطينيين سوف نخلق صيغة تناسب الواقع الذي نعيش فيه تحت الاحتلال، وربما يتطور الوضع إلى صيغة أفضل على ضوء التحدي بيننا وبين إسرائيل.

إذاً حماس جاءت لتغير النظام السياسي وفق المشروع الوطني، وحسب القواسم الوطنية التي يلتقي عليها المجموع الوطني الفلسطيني.

 

المتغيّر الفلسطيني قادر على إنجاز متغير إقليمي!

أيضاً أود أن أعلّق على سؤال في تفسير الحالة الفلسطينية: هل المتغير الداخلي الفلسطيني قادر على إنجاز تغيير إقليمي.. وطبعاً هناك قضايا حول التأثير العكسي؟!

أقول: نعم هناك إمكانية أن يكون المتغيّر الفلسطيني الداخلي قادراً على إنجاز متغير إقليمي، ولا سيما أنّ في المحيط الإقليمي عوامل مشجعة، كما أن هناك عوامل مضادة، وقد آن الأوان أن لا تبقى الساحة الفلسطينية ساحة إسقاط لتأثيرات القوى الخارجية، وعلى الرغم من أننا ربما الحلقة الأضعف، لكننا الحلقة الأهم، فنحن بؤرة الصراع، دون أن نلغي بطبيعة الحال: أننا نتأثر بالآخر، فنحن ضمن محيط لا بد أن نتأثّر به، ولكن نحن أيضاً قادرون على عمل شيء إذا توافرت الإرادة. الحالة التي نعيشها اليوم هي جزء من التأزيم الدولي في المجال السياسي الفلسطيني، وإذا استطاعت الحالة الفلسطينية اليوم أن تشتق لها معادلة جديدة مختلفة عن التي كانت فيها الساحة الفلسطينية تتكيف مع الواقع الإقليمي والدولي مع هوامش محددة تنقطع أحياناً، فسوف ننجز شيئاً. في السابق كانت الحالة الفلسطينية تعزف على الإيقاع نفسه، وكنا دائماً من يتلقى الضغوط والتأثيرات، وأحياناً التعليمات، مع ذلك كان الأداء الفلسطيني يخرج أحياناً عن هذا السياق ويواجه، وهذه تحسب لأبو عمار. ربما لا تؤثر الحالة الفلسطينية الجديدة على المنطقة لأن الأمر ليس سهلاً، لكن يمكن أن نؤثر على محيطنا، وهذا ما طرحناه عندما فزنا وهو قائم على منطق. لماذا كلما جاءت قيادة فلسطينية يضعون أمامها لائحة تعليمات، ولائحة متطلبات، كالمتطلبات الجامعية؟! وبالتالي من يريد أن يدخل هذا النادي يجب أن يوافق عليها! حتى ولو وافق، لا نتيجة.

حاولنا في خطابنا مع الجامعة العربية، ومع دول عربية، وحتى مع الدول الأخرى التي زرناها كروسيا وغيرها أن نعمل استراتيجية جديدة. حاولنا أن نستفيد من هذا الفوز ومن اتهام حماس بأنها متشدّدة لنخلق مفاعيل جديدة ترغم إسرائيل على تغيير موقفها. ولدي قناعة أننا نملك ذلك، وأعتقد أننا إذا عبرنا عنق الزجاجة، وواجهنا التحدي، وصمدنا أمام الحصار أعتقد أننا سنقدم نموذجاً جديداً، ليس من خلال حماس وحدها، بل من خلال المجموع الوطني الفلسطيني، وبالتالي نؤثّر في الوضع الإقليمي، ونوجد فعلاً متغيراً إقليمياً خاصة في وجود بؤر تساعدنا البؤرة اللبنانية رغم كل الانكفاءات التي حصلت في العام الماضي. الوضع العراقي، والحدث الإيراني الأمريكي، وفشل المشروع الأمريكي في العراق.. كل هذه العوامل، وصمود سورية التي صمدت وخرجت من عنق الزجاجة يثبت أن ثمة حالة في المنطقة تسمح للواقع الفلسطيني اليوم بشكله الجديد، وإطاره الجديد أن يسهم في هذا المتغيّر الإقليمي، ويسمح بأن نفرض نحن إرادتنا على السياسة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

أيضاً لدي تعليق سريع حول هل بات صندوق الاقتراع هو مصدر الشرعية الوحيد في الساحة الفلسطينية؟!

 

شرعية الانتخابات ليست الشرعية الوحيدة!

أعتقد مع احترامنا للديمقراطية، وصناديق الاقتراع أنه كان لدينا شرعية قبل الانتخابات، وسيكون لنا شرعية بعد الانتخابات. فالشرعية متعدّدة: شرعية الحق وعدالة القضية، والشرعية النضالية، والشرعية الثورية، ولكن أهم شرعية في النهاية هي صدقك وعطاؤك وتضحياتك، وبالتالي المكانة التي تحتلها عند شعبك من خلال أدائك، لإنتاج فرصة الانتخابات التي تعزز هذه الشرعية. فالشرعية النضالية تعزز شرعية صناديق الاقتراع، والشرعيتان لا تتناقضان إحداهما مع الأخرى، لكن المفارقة لا تأتي من احتكامنا في حالة معينة إلى صناديق الاقتراع، إلاّ إذا خلطنا معها بذات المعيار شرعيات أخرى. بمعنى أن الشرعيات الأخرى يجب أن تبقى، وإلاّ كيف ننظر إلى حالة الجهاد الإسلامي مثلاً الذي لم يشارك في الانتخابات؟ أليس لها شرعية؟!

الانتخابات هي معيار معتبر، ذلك دون إلغاء الشرعيات الأخرى التي لها احترامها أيضاً. أقول هذا ليس لأن رصيدي مثلاً من هذه الشرعية قليل أو كثير، وبالتالي أقلّل من قيمتها. أيضاً يجب ألاّ تأتي مجموعة تشارك في الانتخابات، وليس لها رصيد نضالي ثم تعتبر نفسها أساس الشرعية. بمعنى آخر للشرعية النضالية مساحة، وللشرعية الديمقراطية مساحة، وأعتقد أننا في الحالة الفلسطينية لسنا في دولة مستقلة، وكذلك لسنا في حالة سياسية ساكنة، بل نحن في حالة احتلال، ولدينا مقاومة للاحتلال، وبالتالي التأكيد على الشرعية النضالية بتقديري هو الأساس، والانتخابات هي عامل أساس مكمّل إذا احتكم الشعب وقواه في لحظة معينة إلى أداة الديمقراطية لإقامة نظام سياسي معين. لكن قاعدة الشرعية الأساسية في ظل الاحتلال هي الشرعية النضالية، ومقاومة الاحتلال قبل أن نذهب إلى المستقبل.

أيضاً فيما يتعلق بموضوع الانتخابات. أنتم علقتم على الانتخابات ونتائجها، وأنا قرأت ما طُرح في الورقة، والنقطة التي أحببت التعليق عليها هي أنه كان المأمول من الانتخابات أن تؤدي إلى ترتيب الساحة الفلسطينية، والنتيجة كانت التأزيم. طبعاً حصل التأزيم لأننا لسنا وحدنا في الساحة الفلسطينية، ويا ليت كان التأزيم ناشئاً عن وضع داخلي. في النهاية نقول: إن هناك فريقاً سلّم من الناحية النظرية بنتيجة الانتخابات، لكن من الناحية العملية، نحن اليوم في حالة تأزيم موجّه ضمن خطة. نقولها بكل وضوح، بدون رتوش: هناك تأزيم مقصود بهدف إفشال هذا المشروع الذي جاء على غير توقعات العدو الصهيوني، وقوى دولية، وقوى إقليمية، وأطراف فلسطينية.. وكل هذه القوى تسعى لخلق هذا التأزيم من أجل إفشال التجربة. ليس إفشالها في مدى زمني معقول، بل المتداول ضمن المعلومات إفشالها خلال ثلاثة شهور، ونحن لا نتكلم هنا كناس جاءوا ليعملوا لمصلحة، ولكن المصالح أثارت مشكلة من جديد. القضية ليست كذلك. لسنا نحن الذين ضللنا الطريق، بل نحن جئنا إلى الانتخابات لترتيب الساحة، فوجدنا أن الانتخابات فجرت الساحة. العيب هنا ليس في الانتخابات، بالعكس هناك مناخ شرعية نضالية، وقوى تحترم نفسها وتحترم نضالها، ويحترم بعضها بعضاً، ولديها تاريخ نضالي، وعندما تحتكم إلى آلية سياسية يجب أن تحترم هذه الآلية.

احتكمت قوى منظمة التحرير سابقاً فيما بينها إلى صيغة منظمة التحرير، وهي صيغة توافقية يقوم بعضها على »الكوتا«، وبعضها تمثيل فصائلي، وبعضها تمثيل مؤسساتي (اتحادات ونقابات)، وقد رُتبت الساحة الفلسطينية حينذاك على هذا الأساس بصرف النظر عن العيوب.

فهل يُعقل الآن أن تأتي إلى الانتخابات (وهي أكثر ديمقراطية، وأكثر تعبيراً عن الحالة الفلسطينية) ونعكس الصورة الحقيقية، ونعتبر أن الانتخابات أدت إلى تأزيم؟! لا. الوضع الطبيعي أن ترتيب الساحة الفلسطينية هو الأهم. نعم، قد تنشأ إشكاليات في النقلة من حالة إلى حالة، وقد يتساءل البعض: كنا نعاني من استئثار فتح، فهل سنعاني من استئثار حماس أم لا؟ أن يطرح البعض علامات استفهام، ويقول مثل هذا الكلام هو أمر مفهوم، ولكل واحد وجهة نظر، وهي محترمة، ولكن حقيقة الوضع أنه تجري عملية تأزيم محلي وإقليمي ودولي إضافةً إلى ضغوط العدو الصهيوني، لذلك هذا التأزيم غير طبيعي، ولا يجب أن تُحاكم تجربة الانتخابات من خلاله.

أيضاً أود الإشارة إلى أن مظهر التأزيم كان قائماً، حتى عندما كانت السلطة والحكومة من لون واحد، لأن النظام الفلسطيني هو نظام هجين. نحن لسنا كالنظام الفرنسي حتى يكون هناك رئاسة، ورئيس وزراء. في النهاية فرنسا هي دولة لها تاريخها، ودستورها، وتجربتها، أما نحن في الحالة الفلسطينية، فقد جاءت قضية التأزيم بين السلطة والحكومة في لحظة معينة من أجل إقصاء أبو عمار، ونزع صلاحياته، فاخترع موضع اسمه رئاسة الحكومة، واشتق لها صلاحيات ضمن النظام الذي أتى أساساً غير مستقر، ولم يكن يعتمد القانون الأساسي، وبالتالي ظل التنازع قائماً عندما كانت السلطة والحكومة من لونٍ واحد، فكيف وقد أصبحنا من لونين مختلفين، ودخلت علينا العوامل الإقليمية والدولية، والعقلية الثأرية (اسمحوا لي بهذا التعبير) التي لا تريد التسليم واقعياً بنتيجة الانتخابات، وإن سلمت بها نظرياً.

أما التناقض بين السلطة والمنظمة فهو قصة قديمة أصلاً. عندما شُكلت السلطة ذهب مركز القرار إلى السلطة، ووُضعت المنظمة على الرف، واليوم عندما فقد الذين كانوا في الحكومة موقعهم، أو جزءاً مهماً منه، عادوا ونفضوا الغبار عن المنظمة، وذلك على الرغم من أننا نحاول معهم منذ أكثر من سنة أن نعمل على إعادة إحياء وبناء م. ت. ف.

 

وجود حماس في السلطة ليس مغنماً!

أنا اليوم لا أعتبر أن وجود حماس في الحكومة والمجلس التشريعي فرصة لنا، خاصة في ظل التناقض بين السلطة والمنظمة. الحكومة ليست هي المعيار الأساس، بل الإطار الوطني الجامع بين الداخل والخارج، وبالتالي نحن نعطي الأولوية لهذا الاعتبار، ونمارس دورنا في الحكومة والسلطة بالحد الذي يلزم لخدمة الناس، وضرورات الواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، وعلى العكس أعتبر أن التطور الجديد في الساحة الفلسطينية هو فرصة لإلغاء التناقض بين السلطة والمنظمة، أما التناقض بين السلطة والحكومة على ضوء العوامل التي شرحتها، أعتقد، ألا يوجد فرصةً لإلغائها وهي تحتاج لمعالجات جدّية.

أما حول موضوع الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية أقول بصراحة: هذا الانقسام هو انقسام تنظيمي وليس سياسياً. بالعكس، تجربة السنوات الماضية عززت التوجه نحو قواسم مشتركة تلتقي عليها الأغلبية، مع بقاء فروقات، وفشل التسوية، ونجاح المقاومة في إنجاز بعض المهمات، وانسداد الأفق السياسي مع إسرائيل، وطبيعة المشروع الصهيوني، وكيف يعبّر عن نفسه، والسياسة الأمريكية.. كل هذا يقرّبنا سياسياً، وهناك ضرورة لأن نتوحد سياسياً أكثر، بدليل لو أردنا فعلاً أخذ المزاج الشعبي الفلسطيني، وكيف يتجه سياسياً، أعتقد أننا نتجه إلى تقارب سياسي، وليس إلى انقسام سياسي، لكن الانقسام الحاصل اليوم هو انقسام تنظيمي، سواء مشكلة السلطة وحماس، وكل المشكلات على الأرض إذا دققنا نجد أنها تعبّر عن انقسام تنظيمي.

طبعاً في الغرب هناك انقسام تنظيمي، وهناك أحزاب، وفي دولة ما قد نجد حزبين كبيرين، أو ثلاثة أحزاب كبيرة، ويوجد انقسام تنظيمي ولكن في ظل دولة ديمقراطية ناضجة، وبالتالي من يخسر الموقع الانتخابي يسلّم السلطة على الأقل لأربع أو خمس سنوات قادمة. يسلم في تجربة نظيفة يخوضها. والمعارضة في هذه الحالة قد تشكّل حكومة ظل، لكنها لا تشكّل حكومة موازية، أو حكومة تنافس مناكفة، وتنتزع الصلاحيات من الحكومة الشرعية، ولذلك قلت إن الانقسام الحاصل اليوم في الساحة الفلسطينية هو انقسام تنظيمي، وهو غير مبرر، إلاّ فقط عندما ننحاز إلى المصلحة الحزبية على حساب المصلحة الوطنية.

أما حول مسألة التناقض في المجال السياسي، والواقع الذي أفرزه أوسلو، فما من شك أن كل الوضع نشأ بشكلٍ غير طبيعي، وهذا ينسحب على حماس وقوى أخرى. هل الجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والقيادة العامة والجهاد الإسلامي موافقون على أوسلو؟ لا أحد يوافق على أوسلو إلا من تعرفون، وبالتالي كل من يشترك في الواقع السياسي الفلسطيني المطروح يعيش هذا الواقع المتناقض، والسؤال الآن كيف نتعامل مع هذا الواقع، ونحاول أن نمارسه من خلال موضوع التفاوض؟ هذا الأمر سنناقشه لاحقاً.

 

حماس حركة وطنية ونحن معنيون بالهم الوطني!

هل حماس حركة وطنية أم إسلامية؟! حماس هي حركة وطنية، ثم توصف بأنها إسلامية، تماماً كما يوجد حركة وطنية توصف بأنها قومية أو يسارية والكل يحترم اختياره. نحن حركة وطنية، ومعنيون بالهم الوطني. معنيون بهمّ شعبنا ومقاومة الاحتلال، وإنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية، في الوقت ذاته نحن حركة أيضاً إسلامية. ثقافتنا إسلامية، وأرضيتنا الفكرية والسياسية إسلامية، ونعتقد أنها الثقافة الطبيعية في المنطقة العربية والإسلامية.

حول موضوع مستقبل الحالة الفلسطينية، وما هو مطروح من أسئلة في ورقة المركز دعوني أعطي إشارات سريعة:

هل سيكون النظام الفلسطيني (برأسين)، وبمرجعية واحدة أم مرجعيتين؟ الأصل، إذا كان المقصود بالمرجعية مرجعية القانون الذي يحدّد الصلاحيات فنحن نحتكم إلى مرجعية واحدة، حتى لو نشأت كما قلت في وضع غير طبيعي، إذ ما دام هناك نظام ارتضيناه، وشاركنا على اساسه على الرغم من ملاحظاتنا عليه، فالمرجعية هي القانون، إلا إذا صار هناك توافق فلسطيني على إعادة توصيفه، لتحديد المواقع والمسؤوليات. الأصل إذاً مرجعية واحدة هي القانون الذي يحدّد ما هي صلاحيات هذا الرأس أو ذاك.

إذا توحّد الرأسان مستقبلاً، نكون أمام نظام جديد أفضل، ولكن إلى أن نتفق على معالجة هذه المشكلة يجب على الأقل أن نتوافق وطنياً، والحل لا تفرضه حماس ولا فتح، أي إلى أن نتفق لا بد أن نحترم القانون، وما الذي يعطيه لكل طرف إلى أن نجد حلاً لإنهاء التنازع.

من ناحية أخرى، بالقطع نحن مرجعيتين مختلفتين، لا سيما إذا أضفنا العوامل الخارجية التي صارت في تقديرنا أكثر تأثيراً حتى من البرامج والقناعات السياسية، وأنا هنا أريد أن أسأل: هل البرنامج السياسي لرأس السلطة متأثر بقناعاتهم؟! هم يعرفون قناعاتهم، ونحن نعرف أن طريقها مسدود، ولكن في النهاية هناك ضغوط وتأثيرات.

 

الاستئثار مرفوض منّا، ومن غيرنا!

موضوع الاستئثار.. وهل تنتقل الساحة الفلسطينية من استئثار فتح إلى استئثار حماس؟! هذا الموضوع يُطرح باستمرار، على الأقل تزعم حماس أنها لا تتجه في هذا المسار، ولكن دعوا التجربة تصدّق أو تكذّب ذلك. لا أريد إعطاء وعود، ونظل نكرر هذا الزعم الذي نحن مقتنعون به. نحن نؤمن، ولدينا قناعة، كما أن تجربة الديمقراطية تتسع للجميع، فالعمل الوطني أيضاً يتسع للجميع. سياسة الاستئثار مرفوضة منّا، ومن غيرنا، والتجربة سوف تؤكّد أن حماس لا تتجه بهذا الاتجاه.

هل ستنجح حماس بإدارة السلطة تحت برنامج معارض؟! طبعاً هذا الموضوع هو تحدٍّ كبير. السلطة أساساً جاءت نتيجة التسوية، ولها التزامات سياسية وأمنية مع العدو، ومتوافقة على الفلسفة نفسها مع المحيط العربي والإقليمي والدولي، وأن تأتي إلى السلطة على برنامجك، فهذا تحدٍّ كبير، لكن لا يمكن الحكم على حماس بعد ثلاثة شهور من الانتخابات، وبعد أكثر من شهر على استلامها للحكومة، ولا سيما أنها لم تمر بتجربة طبيعية حتى يمكن الحكم عليها، فالفترة قصيرة جداً، وفوق ذلك وُضعت أمام تحديات كبيرة، وأُلقي بوجهها كم هائل من العوائق، الأمر الذي يجعل من الصعب الحكم على الكيفية التي ستعالج بها الأمر. لكن أود أن أؤكد أن حماس لا مجال أمامها إلاّ أن تجمع بين مسؤولياتها في السلطة، ومسؤوليتها في المقاومة، والأولوية هي لبرنامج المقاومة والتصدّي للاحتلال والنهوض بالمشروع الوطني. لن تكون السلطة هي العائق أمام حماس، ولن تكون هي على رأس الأولويات. الأولوية هي الاستمرار بالمشروع الوطني ومقاومة الاحتلال ولا سيما في ظل نظرتنا لقصة السلطة وكيف جاءت.

إن الإطار، أو الآلية التي وضعناها ترجمةً لهذا الأمر، أن السلطة لا تمارس المقاومة، ولكن بوصفنا حكومة لن ندين من يمارس المقاومة وكان الاختبار لحماس في العملية الأخيرة. العالم كله استنفر عليها، وزيارة الدكتور الزهار للأردن أُلغيت في هذا الجو، ومورست علينا ضغوط والعالم غضب، على الرغم من كل ذلك هذا هو النموذج في تعاملنا مع المقاومة.

 

هل يشكّل إعادة بناء م. ت. ف في ظل الإزدواجية السائدة مخرجاً للوضع الفلسطيني؟

بتقديري ليس لدينا خيار آخر إلا إعادة بناء المنظمة حتى تكون المخرج من هذا الإشكال، ولا سيما وأننا لا ننظر للمنظمة من زاوية كونها مخرجاً للإشكال القائم فحسب، بل باعتبار ذلك هو المتمّم للنظام السياسي الفلسطيني الحقيقي، والشكل الأهم الذي يوحّد الداخل والخارج، ويوحد الديمغرافيا الفلسطينية، ويوحّد أيضاً البرنامج الوطني الفلسطيني بكل مفرداته، وليس فقط قضية الضفة والقطاع، بل القدس وحق العودة واللاجئين.. إلخ..

نحن معنيون بكل مفردات الهم الوطني الفلسطيني، فهل هذا ممكن؟! تحتاج المسألة بتقديري إلى إرادة. كل العوامل الآن معيقة، وللأسف الطرف الممسك بالمنظمة اليوم هو في صف الإعاقة. المشكلات العربية والمجتمع العربي والدولي لا يريد المنظمة. والدول الكبرى لا تريد المنظمة، لذلك فالمطلوب إرادة فلسطينية، وأعتقد أن الإرادة الفلسطينية يمكن أن تفرض نفسها إذا حصل توافق فلسطيني يمكن عندئذ استعادة دور المنظمة على أسس جديدة، ولكن إذا أصرّ الطرف الممسك بعنان المنظمة على تجميدها، والتقوقع عليها، ومنع الناس من دخولها. أعتقد أن من الممكن للوضع أن يصمد فترة ولكني شخصياً مقتنع أنه لن يستطيع الصمود أكثر من ذلك. لا بد أن نفرض إرادتنا بدون طبعاً الدخول في صراعات.

هل يمكن لحماس في سلطة قائمة على التوافقية الدولية التي حسمت موضوع الـ67 أن تكسر هذا الاحتكار الذي ليس فقط يضعنا في الـ67. وإنما يضعنا في آليات الوصول إلى الأقل من الـ67؟!

على الأقل، ما نستطيع أن نفعله هنا، هو تغيير الاستراتيجية السياسية التي نتبعها فلسطينيين وعرباً، وأعتقد أن حماس اليوم تضع هذه الأولوية أمامها، وستعمل عليها، وتنادي القوى للعمل عليها، لتفرض استراتيجية جديدة، لا تخضع لمنطق ضرورة الاعتراف بأوسلو وإسرائيل، والقبول بشروط الرباعية، وخارطة الطريق، والقبول بمشاريع إما انتهت كأوسلو، أو لا وجود لها كخارطة الطريق.

غداً سيتحدثون عن مبادرة السلام التي لا تحفل عملياً إسرائيل بها، وترفضها. أعتقد أن الخطوة الأولى هي تغيير الاستراتيجية السياسية، ورفض الدخول في بازار المشاريع التي هي جميعها في حالة تآكل وتأزّم. وبالتالي أعتقد أننا أمام خطوة إذا حققنا توافقاً وطنياً حولها، سيكون لدينا قدرة أوسع على أن نخرج من كل الأطر والقيود التي يريد المجتمع الدولي حصرنا بها.

في النهاية الإطار الذي يحكمنا، ولن نخرج منه هو الحق الفلسطيني، وهو بتعريفاتنا وتعريفات الضمير الفلسطيني الحق الذي علينا العمل لكي نحققه، ولكن كيف نحقّقه؟! هنا تأتي المرحلية، ومراعاة موازين الصراع.. وكل هذا أمر ممكن، لذلك طرحنا فكرة أن يكون هدف الانتفاضة، وأداءنا النضالي في هذه المرحلة موضوع الـ67. هذه خطوة مقبولة، وحولها توافق وطني، أما بالنسبة لأمريكا وإسرائيل فهي مرفوضة، وبالنسبة للأوروبيين مقبولة كعنوان، ولكن هناك قدر كبير من المساومات حولها.

 

لا تعارض بين المشروع الوطني والمشروع الإسلامي.

ما نقاط التوافق والتعارض بين المشروع الوطني الفلسطيني، والمشروع الإسلامي؟!

أعتقد أنني شرحتها، إذ لا تعارض، بل هو مشروع وطني له ألوانه الفكرية والسياسية المختلفة.

وحول السؤال: هل نموذج حماس قريب من حزب العدالة التركي أو طالبان؟ حالتنا، تختلف عن حالتيهما، فنحن في ظل الاحتلال، وهذا قلناه للأتراك وقلته شخصياً للدكتور عبد الله غول وزير خارجية تركيا. نحن لسنا في ظل دولة مستقلة لذلك تجربتنا مختلفة، والفارق الثاني إذا أردنا أن نقارن مع التجربة اليسارية والقومية، فكل تجربة كان لها خصائصها، وتجربة حماس في فلسطين لها خصوصيتها، وكل تجربة لها وعليها.

أعتقد في المحصلة، أن نتائج الانتخابات هي فرصة لإشعار شعبنا في الخارج أنه معني بما نفعله في الداخل. عندما تابعت الانتخابات شعرت أن شعبنا في الخارج ليس معنياً بها، وليس متاحاً أمامه فرصة أن ينتخب، وأعتقد أن من حق الشعب في الخارج أن ينتخب وم. ت. ف هي الأرضية المناسبة، ولكن هناك عوائق كثيرة أمام هذه المسألة وهذا الأمر عامل فخري.

هل ستكون الانتخابات مدخلاً لديمقراطية فلسطينية راسخة؟

هذا السؤال طُرح عليّ كثيراً من قبل الغربيين. أحدهم سألني منذ أربع سنوات، هل ستكون هناك انتخابات وستحقق الديمقراطية؟ قلت: نعم. من يشرب من بئر لا يرمي به حجراً، ومن صعد على سلّم لا يكسره. أخلاقياً هذا ليس وفاء، ولا عرفاناً بالجميل، فكيف لو نظرنا إلى المسألة من الزاوية السياسية والمصلحة الوطنية. بعد أربع سنوات سيكون هناك انتخابات أخرى، إذا بقي النظام السياسي، أما إذا دمّرت إسرائيل كل شيء، فهذا أمرٌ آخر.

الانتخابات كانت مدخلاً لتجربة ديمقراطية حقيقية، على الأقل، صار لدينا إرث وتجربة فلسطينية يمكن أن نبني عليها، ونحققها ولو بأشكال أخرى، حتى ولو دمّرت إسرائيل السلطة.

 

الأزمة سابقة للانتخابات!

فهد سليمان

كان بمقدورنا أن نتصور نتائج أخرى، تعرّضنا لمشكلات أقل، وقد رست الانتخابات على هيئتها المعروفة، فلا يمكن أن نحمّلها مسؤولية الأزمة التي هي سابقة على الانتخابات، لذلك القضية الأساسية المطروحة هي التالية: الانتخابات بما تمخض عنها هل تضعنا على سكة الخروج من الأزمة أم تدخلنا في مضاعفات؟

أعتقد أن الإجابة ينبغي لها أن تكون أولاً ذات طابع برنامجي، ثانياً سيبقى أن نستند على قاعدة الموائمة التي تتمثل على الأقل بخطواتها الأولى من خلال معالجة حرمان الحكومة من دفع موازنات ومخصصات موظفيها. والعمل على معالجة الحصار المفروض أولاً على تجميد الأموال، وثانياً متى نستطيع أن نقدم الحلول العملية المأمولة؟

إذاً، برأيي أن الحكومة الجديدة لم تفشل على ضوء بدء الحصار الاقتصادي، لأن الحصار الاقتصادي موجود من قبل، وإنما على ضوء الحصار المالي الذي له علاقة بالموازنة، طبعاً كل من يمثّل الحكومة الآن سيسمع ملاحظات، ويقدم إجابات، وبرأيي الإجابات التي قُدّمت من قبل حركة حماس حتى الآن ليست بمستوى التحدي الحقيقي المطروح. هذه الحكومة وصلت بغالبية عالية وبغض النظر عن الدوافع التي ناقشناها البارحة، هذه الحكومة لا تملك الحق بأن تدخل نفسها بأي غموض برنامجي، قوة الحكومة من خلال وضوح برنامجها، والغموض البرنامجي، ليس لصالح الحكومة،/ ولا لصالح الوضع الفلسطيني، أفهم أن يكون هناك فارق ما بين الخطاب الرسمي والخطاب الحركي. هذا من طبيعة الأمور، وأفهم أن لا يتضمن برنامج الحكومة أي نقطة تأتي على ذكر المقاومة، أفهم ذلك، وأفهم أيضاً أن يقدّم الأخ رئيس حركة حماس موقفاً عنوانه: نحن حكومة ومقاومة، كلٌُّ يتكلم من موقعه، لكن القضية البرنامجية المطروحة هي اكتشاف حماس أنها كانت ولا زالت تشكّل قوة عسكرية رئيسية أو إحدى القوتين العسكريتين الرئيسيتين. هذه القضية محسومة. دور حماس في المرحلة القادمة فيما يتعلق باستراتيجية المقاومة هل هو تقديم المظلة الرسمية التي لا تستنكر الأعمال الفدائية بل تضعها في سياق رد الفعل المشروع على الاعتداءات الإسرائيلية المتمادية، أم الزج بالإمكانيات العسكرية لكي تصعّد المقاومة فعلها؟! هذا سؤال مطروح.

 

الغموض البرنامجي ليس لصالح حكومة حماس!

ليس القصد إبراز مشكلة لا حل لها. من زاوية طرح قضية أعتقد أنها تقتضي جهداً فلسطينياً مشتركاً لكي تقدم عليها إجابات محددة، لأنه إذا كانت حماس هي الذراع العسكري فهي ليست معنية فقط وحصراً بأن تقدم الإجابة عن الوسائل التي يكون بإمكاننا من خلالها أن نفعل. هذه الذراع نقطة برنامجية أخرى مطروحة. كلنا يعرف المشروع الإسرائيلي، وكلنا يعرف أننا أمام حالة سياسية تتسم بانسداد الأفق السياسي. أصلاً أزمة النظام السياسي الفلسطيني بدأت تتفاقم عندما وصل أوسلو إلى نهاياته التطبيقية والسياسية. مسألة غريبة أن يفكر الإنسان أن آخر ما أنجزت أوسلو تمثل في بروتوكول الخليل شهر يناير 97، هذا يعني عملياً سبع سنوات بدون أي خطوة تقدمت بها عملية السلام. هذا شيء معروف. انسداد الأفق السياسي. الآن بعد مجيء أولمرت يكتسب الأمر معنىً سياسياً أكثر خطورة من أي وقت مضى، لأننا أمام مشروع سياسي مسقوف زمنياً بالولاية القادمة للكنيست الإسرائيلي، ويرمي إلى تطبيق ما يسمى بفك الارتباط أحادي الجانب على مساحة الضفة الغربية، وهذا أمر يختلف تماماً ونوعياً عما جرى في قطاع غزة، لاعتبارات أعتقدها واضحة، ولا ضرورة للخوض في تفاصيلها. هذا مشروع يفترض بالأساس عدم وجود شريك فلسطيني. ما هي الخطوة الاعتراضية التي ينبغي لنا أن نقدم عليها في سبيل تعطيل أو زرع عقبات إضافية أمام هذه التطبيقات؟

 

علينا الفصل بين أشكال المقاومة والرد السياسي!

علينا أن نفصل ما بين أشكال المقاومة المقترحة بما هي انتفاضة جماهيرية، أو مقاومة مسلحة.. إلخ. والرد السياسي. أعتقد في موضوع السياسة على الرغم من براعة الفريق الذي صاغ البرنامج الذي قدمه الأخ رئيس الحكومة، عندما تقدم بطلب الثقة، والذي حاول من خلاله أن يدوّر الزوايا قدر الإمكان، لاجئاً إلى صيغ لم تكن ترد في برنامج الانتخابات، بتوجيه رسائل إلى الرباعية، وغيرها، هذه الصياغة التي تستند إلى براعة صياغية لا تخص ولا تعطي الحكومة الفلسطينية ولا الوضع الفلسطيني ما يسمح له بالتمترس وراء برنامج سياسي يعطي ويحمي ويسند الانتفاضة والمقاومة. لا حكومة تعمل بدون سياسة ولا حكومة تعمل على طريقة رد الفعل، كأن يسأل مثلاً أي مسؤول سياسي في الحكومة أو غيرها ما موقفك من؟؟ ليرد سأنتظر أولاً الموقف الإسرائيلي. تعليق أي تغيير بما يصدر عن إسرائيل، هذه أسوأ طريقة من أجل تقديم الطرح الوطني الفلسطيني الذي يقوينا، ولا يضعفنا، في هذا الإطار أنا أعتقد، وبشكل سريع جداً أن ثمة قضايا سياسية برأيي ستلجأ إليها الحكومة الفلسطينية عاجلاً أو آجلاً، وبرأيي ما قاله أبو الوليد وهذا جيد، أن سمة المرحلة القادمة ستكون مزيداً من التقارب السياسي لاعتبارات لست بواردها الآن، لكن أعتقد أنه إذا اتفقنا على التالي، نسقط فرصة الاعتراف بإسرائيل، صحيح هذا موقفنا ونحن لسنا مطالبون بالاعتراف بما أقدمت عليه الحكومات الفلسطينية أو م. ت. ف، مع أن البيان الحكومي يعطي مؤشرات إيجابية تلتزم بما يلبي المصلحة الوطنية، هذا يفترض أن هناك في اتفاقات أوسلو بعض ما ينطوي على مصلحة وطنية فلسطينية. أنا لا أعتقد ذلك. أعتقد أن كل اتفاقات أوسلو لا تنطوي على أي عنصر من العناصر التي تلبي المصلحة الوطنية، بيان الحكومة يؤشر على ذلك. هذا شأنه، لكن ليس شأني، على هذا الأساس نقول ما يلي: نحن ضد الاعتراف بإسرائيل 100%، الموضوع بيننا ليس موضوع التسليم بالاتفاقيات المقصودة، الموضوع هو ما هو الحد الأدنى السياسي الذي يجب أن يعتمد بشكل صريح، والذي لا يمثل بطبيعة الحال برنامج حماس، ولا أي برنامج من الأطراف الفلسطينية، التي يجب أن تتعاقد فيما بينها على هذا البرنامج السياسي.

هنا تأتي ثلاث قضايا. أنا فعلاً من الناس الذين يستغربون لماذا يصر الأخوة في حركة حماس على خوض معركة مستميتة في سبيل الدفاع عنها، وهم يدركون قبل غيرهم أن هذه المعركة هي في غير مكانها، وغير أوانها، ولا وظيفة سياسية لها،  بل لها ربما وظيفة سياسية توحيدية داخلية!.

النقطة رقم واحد موضوع م. ت. ف التي يجب الاتفاق عليها: هل م. ت. ف هي ممثل شرعي ووحيد أم لا؟ برأيي الأخوان في حركة حماس، يخلطون بين أمرين، موضوع الإصلاح وموضوع المكانة، موضوع مكانة م. ت. ف وما تمثله م. ت. ف من قضايا لا أريد أن أسترسل فيها لأن مكانة م. ت. ف لا يجب أن تكون موضوع خلاف. أما موضوع الإصلاح فأنا أعتقد نحن ننتسب إلى ذلك الفريق الذي رفع راية الإصلاح لـ م. ت. ف في وقت مبكر. أشير لوثيقة تموز عام 1984 التي وقفت وراءها أربعة فصائل عنوانها كان: إصلاح المؤسسة ومن ضمنها اتفاق عدن الجزائر، الذي وقعت عليه الجبهة الشعبية، والحزب الشيوعي الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينية والجبهة الديمقراطية. نحن كنا مبكرين جداً في طرح هذا الموضوع. موضوع الإصلاح لا خلاف عليه، لكن لا نعتقد أنه من الفائدة الوطنية أن تعلّق حماس موافقتها الرسمية على المكانة ارتباطاً بالموقف التطبيقي والتنفيذي من الإصلاح: بهذه الطريقة لا نفيد الإصلاح، ولا نفيد المكانة، لا سيما أن الأخوة في حماس وقعوا على بيان القاهرة الذي ينص صراحة على أن م. ت. ف ممثل شرعي ووحيد، ولا فائدة من أن يستعير بيان الحكومة النص من زاوية الدفع باتجاه تأجيل هذا الاتفاق، لأن التنفيذ شيء، والتسليم بالمكانة شيء آخر.

أعتقد أن ثمة مصلحة وطنية لدى الجميع بأن تحل هذه  القضية سريعاً.

النقطة الثانية إعلان الاستقلال: عندما أقر بالمجلس الوطني لم يكن هناك خلاف عليه أبداً. الخلاف كان على البيان السياسي، إعلان الاستقلال، يتضمن الاعتراف بدولة إسرائيل هناك فقرتان تشيران إلى القرار الذي يعتبر السند القانوني الذي نستند عليه من أجل إعلان استقلال دولة فلسطين، وليس الاعتراف بدولة إسرائيل.

بعد أقل من شهر على إعلان الاستقلال، وأثناء مؤتمر جنيف: أعطى أبو عمار بيان الاستقلال، وأعطوه ورقة نقرأها على أساس أنه يوجد حوار فلسطيني أمريكي، قلنا لا تقرأها، لا يوجد حوار. أُرغم في حينها على تلاوة ورقة من ثلاث نقاط يعترف بها بحق إسرائيل في الوجود وهو اعتراف سياسي وواقعي وأيديولوجي وهذا ما حدث.

أين أهمية الموضوع أنه يضع الإطار السياسي للنضال الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة سواء اعتمدنا المصطلح السياسي المسمى مرحلياً أو المصطلح الآخر (الهدنة)؟ أعتقد أن هناك أكثر من إشارة بما في ذلك خطاب الأخ أبو الوليد الذي يشير بوضوح أن المشروع الوطني الفلسطيني قائم على أساس دولة بحدود الـ67 وحق العودة للاجئين إلى ديارهم.

النقطة الثالثة: قرارات الشرعية الدولية مصدر قوة لنا وحجة على إسرائيل وليست ضدنا.

لمصلحة الدولة الإشارة إلى مرتكزاتها الشرعية الدولية. المؤتمر الدولي ليس له علاقة بخارطة الطريق، بل هو مطروح منذ أواخر السبعينيات ويتذكر الرفيق أبو جهاد، منذ أيام بريجنيف رحمه الله. وكنا أيامها في م. ت. ف قد وافقنا عليه. أعتقد أن هذه النقاط الثلاث ليست بعيدة جداً عن التفكير السياسي، أو عن الفكر السياسي الحالي لحركة حماس. ليس الفكر السياسي للميثاق المعلن في 1988 أن يحدث هذا الاختلاف عن الفكر السياسي الراهن لحركة حماس، الاختلاف الوحيد أن الفكر السياسي لحركة حماس يتطوّر. هذا منطق الطبيعة، ومنطق الأمور، ومنطق النضال. الفكر السياسي بجملة واحدة لحركة حماس في الوجهة التي تطور بها، وما وصل إليه الآن كما عبر عن ذلك أكثر من قيادي لحركة حماس، يجب أن يكون له اشتداد دون التمسك بمواقف لا تسمح لنا بأن نجمع الحالة الفلسطينية على برنامج مشترك، ينهض عليه الائتلاف الذي لن يكون إلاّ على قاعدة سياسية واضحة، ولن يكون بالتأكيد من زاوية توسع المسؤوليات والصلاحيات بالمعنى الإداري والوظيفي.

 

أسئلة لا بد منها:

 

شرعية الحكومة هي شرعية

الداخل قبل أن تكون شرعية الخارج!

د. يوسف سلامة:

يبدو لي أن توجيه بعض الأسئلة أهم من الكلام الكثير. تُرى هل آلية اتخاذ القرار في الحكومة الفلسطينية هي آلية محلية أم آلية تنطلق من مركزية ليست موجودة بالضرورة داخل فلسطين، إنما موجودة في مكان ما في العالم لا أعرف أين هو. ربما في دمشق أو طهران أو أي مكان آخر؟!

هذا سؤال مقلق. الحكومة الفلسطينية الآن التي شُكّلت بعد الانتخابات قرارها في النهاية بيد حركة حماس. الآلية في سياستها لاتخاذ القرار هو أمر مهم، لأنه يعطينا مرشداً لكيف نصوغ في المستقبل العلاقة بين مختلف القوى الفلسطينية، ثم الشتات الفلسطيني كيف تنظرون إليه بحسابكم بعد فوز حركة حماس في الانتخابات؟ هل الشتات الفلسطيني يجب أن يمثّل ويعبر عنه؟ هل لدى الحركة برنامج أو تفكير في صياغة برنامج حول هذه القضية؟ البرنامج الذي صاغته الحكومة في ضوء تجربة صغيرة جداً عمرها محدود، ونحن طبعاً مع حكومة حماس، لأنها حكومة فلسطينية، ولأنها حكومة ديمقراطية، جاءت عبر التمثيل الديمقراطي، حتى ولو لم نكن من حماس فيجب أن نكون مع الحكومة لأن هذا أمر وطني ولم يعد أمراً فئوياً، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل الحكومة والحركة لديها استعداد ومرونة لإعادة النظر، وبسرعة ببعض النقاط الواردة في برنامج الحكومة، أم أن برنامج الحكومة ما زال في نظر حماس صالحاً لفترة طويلة، والتجربة الصغيرة هل يمكن أن تسمح بإعادة نظر ما، مثلاً كيف ستكون علاقة الحكومة بالمجتمع؟! هل هناك خطة جذرية لأسلمة المجتمع وطرح قيم جديدة ونظم جديدة، وفرض رقابة جديدة على المجتمع بأسلوب ديمقراطي؟ من حق الأحزاب التي تختلف مع الحكومة أن تطيع الحكومة، ولكن على الحكومة أن لا تفرض عليها أساليب قسرية في الحياة، بالمنع، والفرض، والحجاب وغيره مثلاً.. إلخ.. إذا كانت فرنسا منعت الحجاب هل تفكر حماس بفرض الحجاب هذه قضية صغيرة جداً ولكن تعكس طريقة في التفكير؟!

موضوع علاقة الحكومة بالمجتمع أراه أمراً مهماً تماماً، مثل علاقة الحكومة بإسرائيل والقوى الخارجية، لأن شرعيتها من الداخل، قبل أن تكون بالخارج.

تشخيص الواقع الفلسطيني يحتاج إلى رؤية استراتيجية!

د. ماهر الطاهر

أتساءل: هل حصل في تاريخ الاحتلالات في العالم أن نشأت سلطة قبل تحرير الأرض غير التجربة الفلسطينية؟! هناك فرادة في أن يجري الحديث عن وزارات سيادية، ويتم إنشاء سلطة وحكومة وعلاقات في الوقت الذي ما زالت فيه الأرض محتلة، ولا تملك أي عنصر من عناصر السيادة على الإطلاق.

إذا كان رئيس السلطة، أو رئيس الحكومة لا يستطيع أن يتحرّك إلا بموافقة من إسرائيل على ضوء الواقع الذي نشأ بعد أوسلو، ألا يستحق الأمر نقاشاً جدياً بعد المتغير الكبير الذي جاء إلى السلطة بحركة سياسية مختلفة جذرياً مع النهج الذي قامت على أساسه السلطة؟. كيف سنتعامل مع هذا المتغير؟! هناك إشكالية كبيرة اليوم مع خروج القوة التي كانت في السلطة، وتسلّم السلطة من قبل قوة لديها برنامج متصادم مع واقع إقليمي ودولي والتزامات داخلية في غاية التعقيد.

السؤال كيف ستواجه حماس هذه القضية الإشكالية؟ كذلك هناك إشكالية عند القوى الفلسطينية المعارضة لأوسلو على الرغم من أنها لم تكن في السلطة، ولم تدخل السلطة. تشخيص الواقع الفلسطيني يحتاج برأيي إلى رؤية واستراتيجية تحدّد خطة عملنا لمواجهة هذا الوضع.

هل لدينا مشروع وطني فلسطيني يضم التيار الإسلامي

والقومي واليساري ويقدم نموذجاً للساحة العربية؟!

أتوافق مع الأخ أبو الوليد في نقطة أشار إليها، وهي أن أحد الأسباب التي دفعت الناخب الفلسطيني إلى اختيار حماس، وإعطائها الأغلبية أنه أراد إحداث تغيير بالمعنى السياسي.. وأنه أراد إيقاف حالة الفساد والانهيار بالمعنى الداخلي، بمعنى أن الشعب قد وصل إلى قناعة بأن طريق أوسلو مسدود، وبلا أفق سياسي مقبول فلسطينياً بالحدود الدنيا، وبالتالي القوة الأكبر على الأرض التي يمكن أن تشكّل بديلاً هي حركة حماس فاختارها ليحدث التغيير، لأن له مصالح يريد تحقيقها، بالمعنيين السياسي والاجتماعي، ولكن السؤال كما طرحته ورقة العمل برز وكأن ثمة مشروعاً وطنياً ومشروعاً إسلامياً.. كأنهما متقابلان. نحن نعلم من خلال التجربة في الساحة العربية أنه حدثت خلال نصف القرن الماضي عملية احتراب وصراعات بين الاتجاهات الفكرية في الساحة العربية، بين التيار الإسلامي، والتيار القومي، والتيار السياسي، وطغت التناقضات بين هذه التيارات على التناقض الرئيس مع الاستعمار والمشروع الصهيوني، وبالتالي مجموع هذه القوى التيارات دفعت الثمن، وللاستفادة الآن من حضور الأخ أبو الوليد نتساءل: هل نستطيع في الساحة الفلسطينية، وبحكم خصوصية هذه الساحة أن تنجح في تجربة أن يكون لدينا جبهة حقيقية، بمعنى مشروع وطني فلسطيني يضم التيار الإسلامي والقومي واليساري، ويقدّم نموذجاً للساحة العربية. لأن هذا المتغيّر إذا أخفق على الصعيد الفلسطيني فمن الصعب حدوثه على الصعيد العربي، على الرغم من أن نجاحه في الإطار الفلسطيني يحتاج إلى عمق عربي، وعمق إسلامي، ولكن أحد شروط نجاحه أن نقدم نحن نموذجاً لمشروع وطني فلسطيني يضم التيارات المختلفة، وأنا شخصياً أعتقد بأن هناك أفقاً حقيقياً لإمكانية نجاح مثل هذا المشروع، لأن هناك جوانب إيجابية لدى كل تيار من التيارات، وهناك جوانب صحيحة، وسليمة إذا جمعت عبر جبهة وطنية يمكن أن تكون في صالح القضية الفلسطينية.

الورقة لم تشر إلى موضوع فلسطينيي الـ1948، الذين هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وبالتالي عندما نناقش الوضع الفلسطيني نقع بخطأ كبير إذا قفزنا عن هذا الموضوع، وكأننا نسلّم بأمر واقع.

في إطار مشروع حماس بوصفه مشروعاً وطنياً ماذا بشأن الـ1948، وهل هم ضمن استراتيجية العمل الفلسطيني؟! هذا موضوع في غاية الأهمية والحساسية، وقد التقيت مع إخواننا في 1948 وقالوا إن المرحوم أبو عمار كان ينظر إلينا وكأننا واسطة بينه وبين إسرائيل، وقد سمعت أيضاً مثل هذا الكلام من شخصيات ثقافية، ودائماً يسألون ما هو موقعنا في الحركة الوطنية الفلسطينية؟!

لذلك وعلى ضوء المتغير الأخير كيف يمكن أن نعيد الاعتبار لهذا العنوان؟

النقطة الأخيرة: صحيح أن الشعب الفلسطيني يمر بوضع معقد، ولدينا إشكاليات ومصائب حقيقية، لكن المشروع الصهيوني أيضاً يعاني من مأزق حقيقي، فهم حين يتحدثون عن يهودية الدولة، وتحديد حدود إسرائيل، والفصل الديمغرافي، فكل ذلك هو محاولة لاستباق سيناريوهات وتطورات معينة من الممكن أن يشهدها الواقع الفلسطيني.

السؤال الذي أعيد طرحه: هل حقق شعار الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود الـ1967 الذي طُرح طوال السنوات الثلاثين الماضية أي مصداقية لنجاح هذا المشروع، أم وصل إلى طريق مسدود، وبالتالي لا يوجد هناك أفق لحل مرحلي في حدود الـ67 دون التنازل عن حق العودة من خلال المفاوضات؟!

بتقديري أن هذا الحل من الممكن أن يتحقق من خلال إحداث تغيير حقيقي في موازين القوى، وإذا كنا قادرين على إحداث هذا التعديل يمكن أن ننشئ دولة فلسطين على حدود الـ97. ولكن هل يبقى بعد ذلك مشروع صهيوني.. أريد أن أسمع رأي الأخ أبو الوليد في هذا الموضوع، لأننا نشعر أحياناً وكأن إسرائيل والولايات المتحدة بحديثهما عن دولتين لهما صفات معينة كأنهما يريدان قطع الطريق على تطورات استراتيجية قد تفتح حلاً على نموذج جنوب إفريقيا. لذلك فإن موضوع الحل المرحلي قد يحتاج إلى إعادة نظر، ومن ثم نعود لطرح شعار الدولة الديمقراطية على كل الأرض الفلسطينية، لأنه بعد وصول حماس إلى موقع الحكومة ستكون مضطرة للتعاطي مع هذا الموضوع.

دعونا نستغل الظروف الحالية

لإعادة بناء م. ت. ف واستعادة مكانتها!

د. طلال ناجي

أن يجري النقاش اليوم حول هذه المواضيع، هو شيء جميل وطبيعي، وهو حق للشعب الفلسطيني بمثقفيه وقياداته وكوادره وفعالياته المختلفة. ولكن أريد أن أقول: إن الإشكالية في رأيي أن هناك شيئاً خطيراً تشكّل عندنا تدريجياً عندما وُقّعت اتفاقات أوسلو. كان أبو عمار يردد دائماً، وحتى قبل وفاته بأيام: أن هذه السلطة مسؤولة عن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، بمعنى أنها ليست مسؤولة عن كل الشعب الفلسطيني، وهذا هو واقع الحال، وهذا ما يجري منذ اتفاق أوسلو.

أرى أن الأمور تدفع بالتدريج نحو أن تحل السلطة مكان م. ت. ف، وتكون بالتالي هي المسؤولة عن عموم الشعب الفلسطيني. نرى ذلك في السلطة، والحكومة وموقفها من المبادرة العربية، وموقفها من حق العودة، وموقفها من الشعب الفلسطيني في الشتات. نحن بأيدينا نلغي منظمة التحرير. برأيي إذا وضعنا الأمور في نصابها فسوف نعالج الكثير من الخلل في هذا العمل. إذا تركنا الحكومة تعالج قضايا شعبنا في الضفة والقطاع، وأعدنا لمنظمة التحرير مكانتها في أن تكون الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني، عندها نستطيع أن نتفق مع الأخوة في حماس على برنامج المنظمة السياسي، ونعيد تشكيل مؤسسات م. ت. ف. ونتوافق معاً حول الموقف من كل القضايا المطروحة. من المعني بالموقف من المبادرة العربية. هل هي الحكومة الفلسطينية أم م. ت. ف؟ من المعني بحق العودة للاجئين هل هي الحكومة أم م. ت. ف؟ إذا كنتم تذكرون أن »أبو عمار« كان يردد دائماً أن مفاوضات الحل الدائم هي من صلاحية واختصاص م. ت. ف. وليس الحكومة الفلسطينية، لذلك عندما نصحح الأمور، ونضعها في نصابها لا يصبح مطلوب من الأخ هنية أن يعلن موقفاً من كل القضايا التي تعني كل الشعب الفلسطيني، لأنه هنا، ليس فقط معنياً بوجود دور فلسطيني، بل الأخطر الدور العربي والدولي، اللذين يحاولان حصر الحكومة، وحصر الشعب الفلسطيني كله على أن هذه الحكومة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هي المسؤولة عن مصير الشعب الفلسطيني، وهي المعنية بأن تتخذ موقفاً، وللأسف الأخوان في قيادة المنظمة وفتح ألحقوا المنظمة بالحكومة، وألحقوا السفارات بالسلطة، حتى المنظمة وصندوقها القومي أُلحقت بالسلطة، على الرغم من أن دوائر المنظمة والسفارات ليس لها علاقة بالسلطة، بل هي مكاتب المنظمة وليست من صلاحيات عمل السلطة. هذه السفارات والمكاتب يفترض أن تكون من صلاحيات الدائرة السياسية لـ م. ت. ف. الحكومة تحاول ليس من الآن أن تصادر هذا الدور وكلكم تذكرون كيف تهمش الأخ أبو اللطف، وكيف لم يعطَ أي دور لممارسة صلاحياته وما زال كذلك.

وربما لحسن الحظ أن »أبو مازن« بعد أن خسرت فتح الحكومة، اقترح أن يعود أبو اللطف لأخذ دوره، وأن تعود المنظمة لأخذ دورها، وأن تستعيد الدائرة السياسية من جديد المسؤولية عن دوائر المنظمة. سابقاً كان ممنوعاً حتى أن يتدخل أبو اللطف بتعيين موظف. الكل يعلم ذلك، وهو اشتكى لنا جميعاً حول هذا الأمر.

من حق أي فلسطيني أن يناقش أداء وعمل الحكومة، وعلاقتها بالمجتمع في الداخل وكل الأمور المتعلقة بصلاحية السلطة الفلسطينية، والحكومة بما يتعلق بأهلنا في الضفة والقطاع، وهذا شيء جميل أن تجد الحكومة من يصوّب عملها، ومن يراقب عملها وينقد عملها.

لماذا لا نعود مرة أخرى لنشرح للأخوة في السلطة أن الأخوة في حماس يقودون الحكومة والتشريعي، وأن الحركة هي الأساس، فتعالوا نعد للأصل كما قلنا في القاهرة، نرجع لإعادة بناء المنظمة، وإعطاء الهيئة والمكانة للمنظمة، ونعود للتوافق على برنامج السلطة، ونعيد تشكيل هيئاتها. عندئذ تستوي الأمور على قدميها في الساحة الفلسطينية، ما عدا ذلك برأيي نحن نساهم بإلحاق الشعب الفلسطيني كله بسلطة الحكم الإداري الذاتي المنتفعة من أوسلو، هكذا يرى العدو الإسرائيلي والأمريكان مستقبل الشعب الفلسطيني. هناك أسئلة جوهرية من أخي ماهر وما يتعلق بموضوع حق العودة، لنتكلم بصراحة: هل موضوع حق العودة كان جدياً لدى القيادة السابقة في الحكومة والسلطة؟ يعني هل ما حدث في جنيف معزول عن السلطة والحكومة؟! فكلكم تعرفون من هم الذين ذهبوا إلى جنيف، ومن يقف وراءهم، ومن يموّلهم ومن يدعمهم. رحم الله أبا عمار. نحن اليوم نترحم عليه، لأن الرجل مات دون أن يقدّم مزيداً من التنازلات. مات دون أن يوافق على ما طُلب منه إسرائيلياً وأمريكياً.

تنازل أبو عمار والكل يعرف عن 78% من أرض فلسطين، وحق العودة، الكل رأى ياسر عبد ربه يقول على الفضائيات أن من غير المعقول أن تقبل إسرائيل بعودة اللاجئين، وارجعوا إلى الدولة الفلسطينية!! أي دولة فلسطين؟ هل يعود اللاجئون إلى دولة ممزقة الأوصال، محدودة المصادر والإمكانات؟ عملياً هذا يعني تنازلوا عن حق العودة. نحن اليوم نستعيد من بين أيديهم مرة أخرى موضوع  حق العودة، لنجعله مطلباً أساسياً نتمسك به. طبعاً معنا قسم كبير من كوادر فتح، أنا لا أتحدث عن فتح، وإنما عن القيادة التي فعلت ذلك، لذلك أقول: حتى يكون عملنا مفيداً تعالوا معاً نعمل بجدّية للإسراع بإعادة تشكيل وتفعيل م. ت. ف إلى الآن الأمر يمكن أن نعود إلى ما جرى في القاهرة. والإهمال الذي جرى هل يعد أنه بحسن نية؟ لا، ليس بحسن نية، وكان المقصود الوصول لوقف إطلاق النار، وبعدها لا شيء.

برأيي هنا المفصل، كيف نعود ونستغل الظروف الحالية التي يعيشها إخواننا في فتح، وحاجتهم إلى إعادة بناء م. ت. ف لاستعادة المكانة. عندها نسوّي الأمور، وتدير حكومة حماس الأمور في الداخل أربع سنوات. طبعاً لا أتمنى لهم الفشل، لكن خذوا العدو الصهيوني مثلاً، أحزاب قامت واندثرت على مرأى ومسمع منا جميعاً تذكرون (شينوي) كان له خمسة عشر عضواً في الكنيست أين هو الآن؟ هذه دائماً مسألة متحركة. الليكود الآن له 12 عضواً في الكنيست بعد أن كان قائد الكيان الإسرائيلي. هذه مسألة لها علاقة بالأداء وبالبرنامج وحسن تنفيذ البرامج والتواصل مع الناس، وكسب ثقة الناخب، وما تحدثنا به بالأمس.

 

ما هي الاستراتيجية السياسية البديلة لحركة حماس؟

د. ماهر الشريف:

سمعت بانتباه ما قاله الأخ أبو الوليد، ولفت انتباهي فعلاً تأكيده أن حماس حركة وطنية بتلاوين إسلامية كما هو موجود في الساحة الفلسطينية اليوم حركات وطنية بتلاوين قومية أو يسارية لكن بالرجوع إلى التاريخ، وأنا بالأساس مؤرخ، من المعروف أن حركة حماس هي وليدة تنظيم إسلامي نشأ في فلسطين بحدود عام 1946 حتى ولادة حركة حماس كان هناك في التاريخ الفلسطيني محطات وطنية عابرة 48، 56، 68، حماس أهميتها تكمن كما قلت في كتابي بالتحول من الإسلام التقليدي إلى الإسلام الجهادي، عندما نشأت كتنظيم صار يطير بجناحين: وطني وإسلامي، السؤال الذي طرحه الدكتور يوسف برأيي سؤال مهم جداً فيما يتعلق بالمجتمع.

إذا قلت: إنكم حركة وطنية وثقافتنا الإسلام، ولكن الإسلام هو وعاؤنا الحضاري حتى نحن العلمانيين القضية بالنسبة لنا ليست في الثقافة، بل في المشروع المجتمعي. اليوم وصلت حماس إلى السلطة وهي تشكل حكومة، ولديها وزراء ثقافة وإعلام وشؤون مرأة.. إلخ. هل يعني هذا أن مشروع حماس المجتمعي مؤجل إلى حين تحقيق الأهداف الوطنية، أم أن هناك اليوم فرصة، لا سيما أمام تعثر المشروع الوطني، وانسداد أفق التسوية، لكي تأخذ حماس من السلطة منصّةً لتطبيق مشروعها المجتمعي؟ وهنا أمام ما نراه من ممارسات حتى الآن تمارس بخجل واستحياء لما يكفي القول: إننا ملتزمون بالاعتراف بشرعية الآخر،  وأننا مستعدون للقبول بتداول السلطة. هذا لا بد أن يُفسّر ليس على مستوى الكلام، وإنما على مستوى الممارسة، فيما يتعلق بهذه القضية أعود للسؤال: هل مشروع حماس المجتمعي الإسلامي مؤجل إلى حين تحقيق المشروع الوطني أم أن الباب انفتح أمام تحقيق هذا المشروع؟ ولا سيما أن حماس من الممكن أن تكون نموذجاً لتجربة حكومة إسلامية ناجحة، ويجب أن تُدعم هذه التجربة، وأن يوفّر لها الوسائل، وبالتالي ربما ننسى هذا التناقض بين الوطني والمجتمعي، أين هي الأولوية؟ هذا سؤال أول.

فيما يتعلق بالنظام السياسي، أيضاً استمعت بانتباه لكل ما قال به أبو الوليد حول م. ت. ف ولكن سؤالي أليس هناك تناقض بين حديثك، وبين الموقف الذي مورس على الأرض بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية لدى الحوارات التي جرت لتشكيل حكومة ائتلاف وطني؟! يعني عندما استمعت إليك لم أفهم لماذا كانت المشكلة حول الموقف من م. ت. ف، وهي التي فجرت قضية تشكيل حكومة ائتلاف وطني، علماً أنها كانت مخرجاً من المخارج المهمة للخروج من كل هذا الوضع المأزوم الذي نعيش؟.

سؤالي الثالث يتعلق بالاستراتيجية السياسية البديلة، المقاومة كلنا يعرف أنها وسيلة، وليست غاية في حد ذاتها، ولا يمكن للاستراتيجية السياسية الجديدة أن تختزل في المقاومة. إذاً السؤال اليوم: ما هي آلية الوصول لأهداف هذه الاستراتيجية، وعلى أي أساس سنصل؟ كان هناك مشروع متكامل، دولتان، اعتراف متبادل، المفاوضات الثنائية طريق الوصول إلى الحل. هذا المشروع سَدّت الآفاق أمامه إسرائيل التي أصرت على رفض وجود شريك فلسطيني منذ أيام أبو عمار واليوم بصورة أكبر هناك اختراقات تطرح في الساحة الفلسطينية بعضها واقعي وبعضها غير واقعي، مثلاً حول السلطة العودة لتحمل إسرائيل مسؤولية السكان الواقعين تحت الاحتلال. كل مشروع الخطة الأحادية الجانب للحفاظ على الأرض، والتخلص من السكان، ووجود سلطة فلسطينية مسؤولة عن سكان. هناك من يطرح حل السلطة ولتعد المسؤولية لإسرائيل. برأيي هذا غير واقعي، خصوصاً اليوم مع الجهاز البيروقراطي المتضخم مع وجود 140 ألف مواطن مع عائلاتهم.. إلخ. هناك من يقول بتشكيل قيادة وطنية موحدة، مسؤولة عن المفاوضات، ومعنية بالمفاوضات، ولتشكل حكومة معنية تسير الأمور، هناك من يطرح صيغة العودة إلى المؤتمر الدولي، فشلت قضية المفاوضات الثنائية لنعد إلى صيغة المؤتمر الدولي بوصفه آلية للوصول إلى هدف الدولتين مع وضع خطوط حمراء أولها رفض خطة إسرائيل أحادية الجانب. إذاً ما هي بتصوركم ملامح هذه الاستراتيجية السياسية البديلة؟ وكيف يمكن الوصول لها خصوصاً في ظل وضع دولي وعربي، حتى سوريا لا تقول بوقف المفاوضات، بل تقول نعود إلى حدود 4 حزيران 1967 ونعود إلى النقطة التي انتهت فيها المفاوضات. إذاً في ظل هذا الواقع كيف نصل إلى هذه الاستراتيجية؟

 

موضوع م. ت. ف يحتاج إلى حسم من قبل حماس!

د. رباح مهنا

الحقيقة عندما شكل أبو عمار رئاسة الوزراء فرغها من محتواها، وأبو مازن يستغل الموضوع نفسه. أحياناً الأخوة في حماس يحاولون أيضاً أن يستغلوا الثغرات نفسها ولديّ شواهد كثيرة.

الأخوة في حماس يجب أن يمارسوا دورهم الذي أنيط بهم، حركة حماس بشكل عام وكسلطة بشكل خاص في الداخل عليها أن تجيب عن موضوع م. ت. ف. أنا كنت مع الأخوين الزهار وسعيد صيام وقلت على الرغم من كل المشكلات يجب أن نعيد ونعزز دور م. ت. ف ممثلاً شرعياً ووحيداً. محمود الزهار قال لي »ليس لتعزيز بل لتفعيل« هذا بصراحة يستحضر كل ما كان يُقال عن أن حماس بوصفها مشروعاً بديلاً لـ م. ت. ف. هذا يستحضره كله بصراحة، وهذا من ضمن الأسباب التي جعلت اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية تتخذ قرارها بعدم المشاركة في الحكومة. فموضوع المنظمة يحتاج إلى حسم واضح وأنا أعتقد أن الإخوة في حماس أعطوا جواباً عن ذلك في القاهرة، وفي موضوع الإصلاح نحن معكم وقبلكم.

 

على حماس أن تنفي أن مشروعها

هو بديل لمشروع م. ت. ف!

ولا تساعدوا من يطلب رأس المنظمة، وحدوا أيديكم لنحافظ على المنظمة ككيانية فلسطينية. أعتقد أن هذه نقطة جوهرية، ويجب أن تتوقف حماس عن التفكير بطريقة حزبية، وتفكر بالأفق الوطني بعيداً عن المواقف المسبقة، ويجب أن تنفي، ليس في إطار الدفاع عن النفس، لكن في إطار مشروع وطني، أنها تريد أن تكون مشروع بديل لأن كل مشروع بديل له تحويلات وأبعاد أخرى تبتعد عن المشروع الوطني.

الموضوع الثاني: هو موضوع الشراكة، حيث ورثت فتح عن أبو عمار موضوع الهيمنة والتفرد. حماس أخذت 44% أو 46% يعني أخذت أغلبية الشراكة. تقول أن لحماس الأغلبية أولاً، لكن هناك شراكة لم تتكرس في حماس. حماس في المجلس التشريعي. أبو عمار عندما كان يشكل رئاسة المجلس التشريعي كان يشاور الجميع ثم يضع من يريد ولكن حماس لم تفعل.

ثم بعد ذلك من خلال معرفتي وحبي لأخواننا الوزراء جميعهم كمناضلين، وأحترمهم كأشخاص ولكن أعتقد أن حماس لم تختر الوزراء الأكفاء من بين أعضائها. على الأقل في غزة وأعتقد أن حماس انحازت للمذهبية الحزبية في تعيين الوزراء، طبعاً هي حرة في ذلك، لكن أخذ المسألة كمدلول، على الأقل ونحن في إطار المصالحة على قاعدة أننا على درب واحد.

هل حماس حقيقة انحازت إلى المذهبية الحزبية عند تعيين الوزراء؟ أعتقد نعم.

وأنا كنت أعتقد أن حماس لديها من الحصافة والكفاءات ما تستطيع به أن تتخطى هذه النقطة.

النقطة الأخيرة في موضوع البرنامج المجتمعي.. أنا أشهد أن حماس في البرنامج المجتمعي المكتوب كانت مرنة جداً، وأنا من ضمن محاججتي لرفاقنا كنت أقول هذا برنامج مجتمعي لا تقدمه حركة دينية وليس فيه أي لمحة دينية، وهذه نقطة أساسية، لكن هناك بعض النقاط الجوهرية.

أولاً: موضوع محاسبة الفساد والمفسدين بأثر رجعي، خطورتها أنها قد تقود إلى حرب أهلية. النقطة الثانية موضوع الاقتصاد: نحن صارحنا حماس أن برنامج الخصخصة لا يعني حل مهام الموضوع الاقتصادي بالذات في واقعنا وفي دول العالم الثالث. أنا أقول إن الأخوان في حماس قدموا برنامجاً مجتمعياً متقدماً بوصفهم حركة إسلامية. لكن هناك بعض المنغصات عندما يصرح وزير تصريحاً مخالفاً لهذا البرنامج، وعندما يقترح عضو تشريعي تشريعاً مخالفاً لهذا البرنامج. أنا أعرف الحقيقة، وأنا قانع أن حماس صادقة في برنامجها لكن هذه الإشارات بصراحة تشوش الجماهير.

 

سمير الزبن

هناك إشكال بالأساس في العلاقة بين حماس وبين النظام السياسي الفلسطيني، في التجربة الفلسطينية هناك نظامان سياسيان فلسطينيان. الأول: عبرت عنه م. ت. ف. واليوم هناك نظام سياسي ولد بعد أوسلو على أرض فلسطين يمكن تسميته نظاماً في طور التشكيل، أو نظاماً غير طبيعي. النظام السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية هو نظام صنع الكيان السياسي والمعنوي وأوجد لهما مكانة على الخارطة السياسية للمنطقة، لكنه ليس نظاماً سياسياً يقوم على دولة. بالتأكيد النظام السياسي في الأراضي الفلسطينية ليس نظاماً كاملاً، ليس دولة، لكنه نظام يدير حياة السكان، م. ت. ف لم تكن تدير حياة السكان الفلسطينيين في أي مكان، أدارت حياة اللبنانيين في فترة من الفترات لكنها لم تدر الكتلة البشرية الفلسطينية. والسؤال: هل حماس تندمج في النظام السياسي أم تريد الصراع على النظام السياسي نفسه؟ أنا سمعت موسى أبو مرزوق قبل أيام يقول كلاماً لم أرتح له: أن هناك خمس قضايا صراعية مع فتح. نحن أخذنا الوزارة والتشريعي والبلديات وبقيت الرئاسة والمنظمة، وأنا لا أتحدث عن المشروعين المتصارعين، وإنما أناقش المشروع الذي تطرحه حماس، إذ من حق أي قوة سياسية أن يكون لها مشروعها، ولها الحق في الوصول إلى كل المواقع الممكنة، ولكن ليس لها الحق بأن تعتبر أن التاريخ بدأ معها، وأبو مرزوق يومها بدأ عرض التجربة منذ 1984، منذ اعتقال أحمد ياسين وأنا استأت وعبرت عن استيائي وقال: إن هذا الموضوع غير مقصود.

بالأمس تحدث جميل مجدلاوي عن سياسات استئثار مارستها حماس بتشكيل الحكومة وبآلية التعاطي مع القوى الأخرى، هذا الكلام يعني أنهم في حماس لم يعملوا شراكة حقيقية مع القوى الأخرى.

أنا لا أستطيع أن أفهم التعبير الذي قاله الأخ خالد مشعل حول أن النظام السياسي هو عبء على الوضع الفلسطيني، أنتم تذهبون إذاً إلى قيادة عبء، ما دام النظام السياسي في إطار هذا التشكيل هو عبء على الوضع السياسي، فأنتم شاركتم وصرتم جزءاً من هذا العبء، وبالتالي حمّلتم أنفسكم أعباء هذا الإطار، وهناك تعليق أنه لا سيطرة ولا تكيف مع نظام هجين، بصراحة ماذا تريد حماس من إطار السلطة وأي حل ترى للقضية الفلسطينية؟ اليوم أسفرت التجربة الفلسطينية على مدى أربعين سنة عن حل توافقي بين المنظمات على حل الدولتين الذي دخل مأزقاً. هل هذا الحل ما يزال صالحاً؟ هل هناك حل آخر؟ ما هو الحل العملي القادم والممكن تاريخياً أن يتحقق في سياق الصراع مع إسرائيل، سواء كان تفاوضياً أو في إطار المقاومة أو التحرير؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة مهمة بالمعنى السياسي: ما صيغة الحل مع إسرائيل هل من الممكن إزالتها أو التحرير على طريقة حركات التحرر الأخرى؟ هناك تعقيدات كثيرة، أقدر كثيراً الكلام عن الإرادة. وجزء من هذا كان حقيقياً في الحركة الإسلامية، لكن في الوضع الفلسطيني أعتقد أنه دائماً كان محكوماً من خارجه بأوضاع دولية وإقليمية وفي تاريخ التجربة قبل 48 وحتى اليوم لم يكن يوماً محكوماً بوضع فلسطيني حاسم أو بصراع ثنائي فلسطيني إسرائيلي، لدرجة أنه إذا كان العراق يغزو الكويت نحن ندفع الثمن، طبعاً نحن ليس لدينا علاقة مباشرة بالكويت وإذا انهار الاتحاد السوفييتي فنحن أيضاً ندفع الثمن، ليس لأننا مهمون، لكن لأن إسرائيل بوصفها مشروعاً هي بالأساس المهمة لكن لو نحن انحرفنا تجاه موريتانيا لا نعود أمام هذا الإشكال.

حول مسألة الانقسام التنظيمي والانقسام السياسي، إذا كان الانقسام تنظيمياً فقط ولا خلاف على الأشياء الأخرى، فهناك مفارقة، يعني كلما تقارب الناس سياسياً يزداد الانقسام التنظيمي، إذا كان المقصود أنه اليوم في ظل الوضع المعقد فلسطينياً فهناك تقارب سياسي، ولكن بالوقت نفسه من مفارقة هذا التقارب، أنه على الأرض تنظيم ينتج حالة قريبة للاحتراب يمكن أن تصل لحالة من الحرب الأهلية وهو موقف سياسي في النهاية لحل كل الإشكالات.

موضوع م. ت. ف قد اختلف مع الجميع في هذا الموضوع. دائماً في التاريخ الفلسطيني هناك شيء اسمه الفصائل. مركز ثقل الحركة الوطنية كان في الأردن ثم انتقل إلى لبنان وحمله معه ياسر عرفات إلى تونس.

هذه الحركة التي ولدت بوصفها حركة شتات، مسار تجربتها كله كان أشبه إلى حد كبير بتجربة الوكالة اليهودية، أسفر هذا المسار عن بناء هذه السلطة، وبالتالي جزء من المكانة التي تمثلها منظمة التحرير ذهبت باتجاه السلطة إرادياً وموضوعياً. دائماً الجغرافيا تنتصر على المكانة المعنوية، إذا كانت م. ت. ف هي تمثيل معنوي أعاد الفلسطينيين إلى الخارطة السياسية، فإن السلطة على كل عيوبها وكل عيوب أوسلو أعادت الفلسطينيين إلى الخارطة الجغرافية. برأيي أن هذا مهم على الرغم من أنني لست مع أوسلو، ولكن يجب أن نرى هذا، إذ من الصعب كما قال الرفيق فهد أن نبدأ من الصفر المطلق، لأنه عندما ينشأ عندك واقع سياسي يجب أن نتعامل معه، ولكن في النهاية لديك مسار تاريخي لا يعود للوراء، فالتاريخ لا يمكن اليوم إذا انهارت السلطة أن يعيد أمجاد م. ت. ف، هذا وهم. م. ت. ف مسارها وصل لبناء سلطة من الممكن أن تتطور ومن الممكن أن تنهار. فتحت كل الأفق على الممكنات جميعاً لكن هي اليوم فاعل ثانوي وهذا رأيناه في نتائج الانتخابات. منظمة التحرير بحاجة إلى إعادة بنائها، بناء على نتائج الانتخابات في الجغرافيا في الضفة وقطاع غزة لا على ما سيحدث في الشتات، حتى لو أجريت اليوم انتخابات في الشتات من الذي قال إن م. ت. ف لها سلطة على الأماكن التي ستجري فيها انتخابات سواء سوريا أو لبنان أو الكويت أو الأردن؟!. هذا شيء ليس عملياً، حتى لو تم إجراؤها ليس لها منطق، لأنه في النهاية تحتاج إلى سلطة، تحتاج إلى رابط قانوني، ورابط سلطوي. في الدولة هناك الكثير من الأشياء المعقدة، احتكار العنف والسلطة والشرطة والمرجعيات.. إلخ.. هذه آلة متكاملة. وأنا أيضاً بحاجة لتوضيح بهدف يقبل بـ67. وكيفية الجمع بين السلطة والمقاومة، وأفهم أنه لليوم حركة حماس وبنوع من التواضع يُحترم أنها لا تملك تصور للجمع بين المقاومة والسلطة.

مع احترامي للخطاب السياسي لحماس لا أوافق، وقد قلت هذا الكلام بالأمس على الخطاب الذي يقول: »أننا نصمد، نأكل زيتوناً وزعتر حسناً«، لكن نحن لا نتعالج بالزيتون ولا بالزعتر لأنه في النهاية الصمود عندما تكون فصيلاً في المعارضة يكون الضغط على كادرك وعلى أعضائك، ولكن عندما تكون في السلطة تقود المجتمع، يكون الضغط على المجتمع، بهذا المعنى هناك إشكال تعيشه حماس بحاجة إلى إجابات، فحتى حركة الجهاد تحتج بأن حماس تقول إن المقاومة رد فعل وهذا نوع من التحول في الخطاب السياسي.

ثم الحديث عن الحق الفلسطيني الذي تراه حماس أريد أن أعرف بالملموس ما هو هذا الحق.

هناك إيحاءات بأن حماس تحتكر الوطنية والمقاومة!

ماجد كيالي:

أريد أن أبدأ بمداخلة مكثفة ومختصرة من نقطة أعتقد أنها تحمل ملامح نقد لخطاب حماس وطريقة عمل حركة حماس في الساحة الفلسطينية أبدأً من مكانة م. ت. ف التي تحدث عنها الرفيق فهد.

وُجدت م. ت. ف قبل حماس واعتُبرت هي الكيان المعنوي والسياسي الموحد، والرمز للشعب الفلسطيني، مع تقديري أن من الطبيعي لأي حركة سياسية تأتي بعد هذا الكيان، من الطبيعي أن تعترف بهذا الكيان، وأن تعترف بهذه المكانة لهذا الكيان السياسي لدى الشعب الفلسطيني، ولكن من حق أي جهة أن تعمل على إصلاح المنظمة. الآن لدينا نوع من التناقض كيف تعتقد حماس أن السلطة الفلسطينية هي نتاج أوسلو والتسوية وذهبت للانخراط فيها، وكيف تضع شروطاً على الانخراط في م. ت. ف قبل أن تعترف بمكانة م. ت. ف. أنا أعتقد أن هذا الشيء هو عبء على حماس وكان الأولى بها ألا تقع في مثل هذه المفارقة، أو هذا التناقض.

لماذا أعتبرها مفارقة؟ لأن الكيان الذي تعتبره حماس نتاج أوسلو ونتاج التسوية تذهب للانخراط به، وفي الوقت نفسه ترفض الاعتراف بالمكانة الأولى له على الرغم من أن وجهة نظري بالحديث عن إصلاح م. ت. ف أنه لا يصلح العطار ما أفسده الدهر. على الرغم من ذلك نحن نتمسك بـ م. ت. ف لأنه لا بدائل لها على الرغم من اعتقادي أنه من الصعوبة جداً ولا أعرف كيف سنعيد إصلاح أو إنعاش م. ت. ف.

أيضاً في خطابات حركة حماس ثمة إشارات وإيحاءات، كأنها تحتكر الوطنية والمقاومة في الساحة الفلسطينية، وهذا برأيي فيه نوع من المبالغة أو المغالاة لأن هناك شركاء آخرين على الرغم من اختلاف المواقف من الناحية الوطنية، هناك على الأقل غير الجهاد حتى فتح التي تحتل مشروعاً آخر في مفاوضات كامب ديفيد، قيادة فتح هي التي رفضت وهي التي قلبت الطاولة على إملاءات إسرائيل وأمريكا، وهذا تحول مهم جداً يجب أن نراه، وأيضاً حركة فتح أو قيادة فتح هي التي ذهبت للانتفاضة، وهي التي غلبت الظاهرة المسلحة في الانتفاضة، أو على الأقل، هي كانت شريكة، بل أهم شريك في الظاهرة المسلحة بغض النظر عن رأينا إلى أين ذهبت هذه الظاهرة، وما نقاط ضعفها وما نقاط قوتها، هذا موضوع آخر.

 

اعتراض خالد مشعل:

أي خطابات؟

 

ماجد:

خطابات حماس في مخيم اليرموك مثلاً (خطاب مشعل) هناك إيحاءات وإشارات هذه وجهة نظري.

حول مداخلة الأخ خالد: أفهم أن يكون لدينا نوع من الرغبوية أو الإرادية العالية في أننا سنغير العالم وأن الشعب الفلسطيني يستطيع أن يغير المعطيات الدولية والعربية، هذا أفهمه في إطار كلام تحرري كلام شعبوي جماهيري، أما أن يُقال هذا الكلام أمامنا في هذه الندوة، فبصراحة هل يستطيع الشعب الفلسطيني تغيير المعادلات العربية والدولية؟ يجب أن نميز هنا بين أمرين، بين أن القضية الفلسطينية قضية كبيرة وعادلة ومهمة ولها بعد عربي وإسلامي، وبين واقع الشعب الفلسطيني على الرغم من عناده وتضحياته وبطولاته وصموده.. إلخ.. إلا أنه شعب ضعيف بإمكانياته، شعب محاصر ويخضع للاحتلال، يجب أن نميز بين هاتين المسألتين.

واللاجئون طاقة مجمّدة، غير مشتعلة وغير مستثمرة في إطار العملية الوطنية بالمدى المناسب أو المدى اللازم.

الملاحظة الأخرى: أن نصنف الانقسام باعتباره مجرد انقسام تنظيمي أو تنازع على الصلاحيات أو السلطة، يعني أننا نتنازع على سلطة، كلنا مقتنع أنها سلطة في ظل الاحتلال، هناك نوع من المفارقة في هذا الموضوع، برأيي هناك مشروعان سياسيان في الساحة الفلسطينية، والانقسام السياسي ليس جديداً، بدأ من عام 1974، هذا هو الواقع الآن، نتيجة تفاعلات وتطلعات ومعطيات عربية ودولية ذهبت الساحة بمجموع القوى الممثلة بـ م. ت. ف نحو برنامج مرحلي سمّي برنامج الإجماع الوطني لكل الفصائل في م. ت. ف التي هي مع البرنامج المرحلي، برنامج الدولة المستقلة في الضفة والقطاع، على الرغم من أن هذا البرنامج وصل إلى طريق مسدود، القضية ليست فقط موضوع أوسلو، صحيح أن هناك مشكلة كبيرة مع أوسلو، لكن الانقسام الموجود في الساحة الفلسطينية حول هذين المشروعين مشروع م. ت. ف المتمحور حول برنامج الدولة في الضفة والقطاع، وبين برنامج حركة حماس، هذا هو الانقسام السياسي في الساحة الفلسطينية، معضلة المشروع الأول أنه وصل إلى أفق مسدود، على الرغم من أن المعطبات الإقليمية والدولية تتوافق معه، وتشجع عليه، وعلى الرغم من أنه يتماثل بدوره مع المعطيات العربية والدولية. والمشروع الآخر يفتقد للإمكانيات ويفتقد لموازين القوى ويفتقد للمعطيات العربية والدولية المناسبة.

السؤال: من هو الموجود في البيئة العربية الذي يدعم اليوم الحركة الوطنية الفلسطينية باتجاه مشروع التحرير؟! أتمنى لو وُجد، لكن القضية ليست تمنيات، الشعب الفلسطيني ذهب إلى التسوية باعتبارها مرحلة اضطرارية، ولا تنظيم فلسطيني ذهب إلى التسوية برغبته.

المسألة نوع من التحايل على الواقع وعلى موازين القوى، وهي مسألة كيف سنتعايش كمشروع؟ مشكلة حماس مثلاً، أن نتعايش أو نتكيف، على أي برنامج سنتكيف؟! كيف ستحدد حماس مشروعها بالموازاة مع المشروع الآخر؟! كيف ستعطي الشرعية لهذا المشروع؟! حماس بصراحة لم تحسم هذا الأمر، وبالتالي هل من الممكن أن تحتال على هذا الموضوع بالذهاب نحو استفتاء؟ لتوضيح ما الذي يريده الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة؟!

سؤال أخير: إذا كانت حماس لم تتفق مع فتح، فلماذا لم تتجه لتشكيل نوع من حكومة الوحدة الوطنية مع الفصائل الأخرى، مع الشعب.. مع المستقلين.. مع القيادة العامة.. إلخ؟!

 

سليمان دباغ

هل يمكن أن تنعكس نتائج الانتخابات بتعديل موازين القوى؟ صحيح كما أشار الأخ أبو الوليد أنها يمكن أن تشكل عنصراً فعالاً في التعديل، ولكن ما هي هذه الاستراتيجية وآلياتها التي يمكن أن تحدث هذا التعديل؟! هل يمكن أن تتم بالطرق القديمة ذاتها التي شُكّلتْ بها قيادة فتح على مدى السنوات العشر المنصرمة بشكل خاص، ومنذ توقيع اتفاق أوسلو، والقول: إنه لا رغبة لها باحتكار السلطة؟! هذه إجابة ليست مقنعة، ما هي الآليات؟ صحيح أنني أستطيع أن أحوِّل الموضوع الفلسطيني إلى عامل ممانعة، لكن ما هي السياسة؟!

السؤال الثاني: حول النظام السياسي، بصراحة النظام السياسي، نرى فيه مشروع الحركة الوطنية، أما مشروع الحركة الإسلامية فيجب أن يتعاطى مع المشروع الوطني الفلسطيني الذي نشأ أساساً في مرحلة الستينيات في رحم حركة التحرير العالمية، حيث كان هناك استقطاب للحرية، ومعاداة الاستعمار، والإمبريالية، واستكمال حركة التحرر بالعالم، وبالتالي أخذ مشروع تنظيم التحرير هذا الطابع الإنساني التحرري ذا الصيغة التقدمية.

في حالة المشروع الوطني الإسلامي لم يُقلْ: ما هي نقاط الارتكاز التي يقوم عليها؟ هل هي ذاتها التي يتقاطع معها المشروع الوطني؟ هذا يحدد صورتي المشروع الوطني والإسلامي.

ندخل الآن في النظام السياسي الفلسطيني، الإجابة التي قدمها الأخ أبو الوليد جاءت متناقضة، فالقول: إن الانقسام في الساحة الفلسطينية هو انقسام تنظيمي، وليس انقساماً سياسياً على مستوى معين، فهل هذا الانقسام هو على مستوى القيادة والنخب السياسية أم على مستوى الشارع؟! كل واحد له تفسير، بتقديري أن الانقسام التنظيمي هو على مستوى النخب السياسية، وليس على مستوى الشارع الفلسطيني، لذلك تكون الانتخابات، شكلاً من أشكال الصراع على السلطة، أو شكلاً من أشكال الاستيلاء على النظام السياسي، طبعاً بغض النظر عن المبررات، لا خلاف على المشاركة في الانتخابات، وهذا يشكل إجابة عن نوع الشرعية التي تتمتع بها القوى والفصائل: هل ما زال صندوق الانتخابات هو مصدر الشرعية، أم هناك شرعيات أخرى في الواقع الفلسطيني؟! بحيث أن الشرعية ما زالت قائمة، وستبقى قائمة لأن صندوق الانتخابات لا يعطي إلا شرعية محدودة تجاههما، ويبقى أن هذه الانتخابات قد فتحت على أزمة، لأن الوضع الذي سبق الانتخابات، إن كان وضعاً مأزوماً ولم يقد إلى توافق وطني ولم يقد إلى تفاهم، إذاً فالانتخابات التي تعبر عن شرعية كاملة ومتكاملة لكل من يشارك فيها أو حتى لم يشارك فيها لم تحل المسألة.

وبالتالي إذا تمكّنا في الساحة الفلسطينية من اشتقاق معادلة جديدة هي نقيض الوضع السابق، فما هي هذه الحالة بالضبط؟ هل تعني موضوع المقاومة؟ هذا ليس جديداً، لا لحماس، ولا لبقية القوى، والأفضل أن يتم التعاطي مع تعبير المقاومة كما أقرّ بحوارات القاهرة، مما يفتح الآفاق واسعة، ويخفف الأضرار إلى حدودها الدنيا، فما هي الاستراتيجية؟ أفهم أن علينا نقل الصراع في الساحة الفلسطينية، من صراع تنظيمي إلى مواجهة العدو. إن هذه الاستراتيجية تتضمن بالأساس التصدي، أو ممانعة المشروع القادم الذي هو أحادي الجانب، بصراحة يجب قراءة التفرد الذي تحظى به إسرائيل بدقة، لأول مرة يجري صياغة سياسات في إسرائيل لا تستند إلى كثير من الأيديولوجيا، وبالتالي الاستحقاق الإسرائيلي هذه المرة هو استحقاق جدي، وبالتالي لا أرى استراتيجية خارج إطار مواجهة كديما.

إذا كانت هذه الاستراتيجية تملك أدوات آلياتها في المواجهة، على هذا، يكون موضوع منظمة التحرير أساسياً، وأنا أختلف مع سمير لأن موضوع المنظمة يختلف عن موضوع الوكالة اليهودية التي آلت إلى دولة استمرت في الحياة، لذلك بدأت أهمية الوكالة اليهودية تتضاءل تبعاً لتطور موقع الدولة اليهودية هذا أولاً. وثانياً الفلسطينيون لا يتمتعون بالموقع القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يتمتع به اليهود في بلدانهم، مما يعني أن منظمة التحرير كانت وستبقى هي السقف الوحيد الذي لا يوجد غيره.

كانت م. ت. ف السقف الذي يغطي الفلسطينيين جميعاً، وهذه الأشياء التي ذكرها الرفيق ماهر حول ارتباط أخوتنا في الـ1948 بالنضال وم. ت. ف؟ إذا كان هذا السقف السياسي الفلسطيني انقطع عنهم لأنه تمثل باتفاق إعلان المبادئ، وبات مقترناً بهم بشكل مباشر أو غير مباشر على أنهم مواطنين في دولة إسرائيل، وهذا حصل في الأردن.

برأيي هذا الأمر متعمد، لأنه نتيجة أوسلو جرى التفعيل عن إشعار باعتباره يعيق الحركة السياسية في إطار أوسلو وهذا جزء من تفكيك المشروع الوطني الذي كنا نتحدث عنه.

 

علي الكردي:

لن أطيل، ولكن هناك سؤال في ورقة العمل يقول: هل تتجه حماس في السلطة إلى نموذج حزب العدالة التركي، أم نموذج طالبان؟

طبعاً سمعنا رد الأخ أبو الوليد، لكن سأحاول إعادة صياغة السؤال بطريقة ثانية. نحن نعرف أن هناك محاولات من قبل الولايات المتحدة والغرب عموماً للتعامل مع الإسلام الوسطي، والضغط عليه لاستيعابه ضمن المعادلات السياسية القائمة في المنطقة، ويندرج هذا الأمر في سياق تفكيك الإسلام السياسي من داخله، وعزل الاتجاهات الأكثر تطرفاً في سياق محاربة ما يسمونه »الإرهاب«، من هنا يجري الحديث عن محاولة الغرب والولايات المتحدة التعامل مع الإسلام السياسي الوسطي، وإذا كان النموذج التركي واضحاً في هذا المجال فهناك مؤشرات على وجود أمثلة في الواقع العربي بدأت تظهر في كلٍّ من مصر والمغرب، وأشارت بعض التحليلات إلى أن الولايات المتحدة عندما ضغطت على السلطة الفلسطينية لإجراء الانتخابات في توقيتها كانت تعلم بناءً على توقعات استطلاعات مراكز الدراسات أن هناك إمكانية لفوز حماس بهذه الانتخابات، ولكون فلسطين منطقة حساسة، وهي بكل الأحوال تحت الاحتلال، أي تحت السيطرة فلماذا لا تكون الانتخابات هي نوع من المختبر لكيفية التعامل مع الإسلام السياسي في المنطقة، وفيما إذا كان بالإمكان استيعابه ضمن المعادلات السياسية أم لا؟! وإذا علمنا أن حماس ليس لديها مانع من فتح حوار مع الولايات المتحدة حسب تصريحات كثيرة لمسؤولين من حماس، فهذا يجعلنا نتساءل: كيف يمكن لحماس أن تتعاطى مع هذا التوجّه في ظل الخصوصية الفلسطينية؟

 

الصراع مع العدو صراع مفتوح!

إبراهيم الراهب

طرحت حركة حزيران 67 برنامجين متناقضين، إسرائيلي وعربي، ومنذ العام 1967 وإلى الآن مرّ أربعون عاماً، ولم نستطع تحرير أراضي الـ 67، بل ازداد العدوان الإسرائيلي توسعاً، وضُرب العراق.. إلخ.. إلى أن جاء قرار 242 يومها قال عبد الناصر إنه ناضل للوصول إليه. وقد وافقت سورية عليه في عهد الرئيس حافظ الأسد. البرنامجان المتناقضان لم يوحدهما قضية القدس ولا عودة الأراضي المحتلة ولا قضية عودة اللاجئين ولا قضية عودة أراضي الـ67 كاملة، ولذلك هما برنامجان متضادان والصراع مفتوح وأي محاولة لوضع الصراع في إطار محدود وكأننا الآن أمام دولة أو مشروع أو أي شيء يؤدي إلى نوع من التمثيل قد يكون فيه جانب مثالي، لكن هذا لا يمنع النضال من التقدم من أجل إنجاز مشروع وطني، ولكن الصراع مفتوح ولا يبدو هناك آفاق لإغلاقه والأيام قد تبدي أو تخالف هذا الرأي.

هذا موضوع أول، الموضوع الثاني الذي أحب أن أتحدث فيه أننا يجب أن ننتبه من القادم الأمريكي، والقادم الأمريكي في المنطقة هو المزيد من العدوان، وأمريكا لا تعيش مأزقاً بالمعنى الذي قد يفهم من كلمة الأستاذ خالد. أمريكا تعيش مأزقاً لكن هذا المأزق لا يمنعها من ضرب إيران فهي تملك الإمكانيات والطاقات والآلات، وبالتالي الأزمة الأمريكية من أيام كلينتون لليوم هي نفسها.

ضرب كلينتون العراق بالصواريخ، وبوش احتل العراق، وتستطيع أمريكا اليوم أن تستخدم القواعد وقد لا تستخدم العراق لضرب إيران، بل قد تلجأ إلى إسرائيل وهناك قواعد أخرى. القصد من هذا الموضوع أن لا نستهين بالموقف الأمريكي وبأن أمريكا لا تستطيع، لأنه في الماضي قالت إسرائيل: العرب لا يستطيعون وقامت حرب تشرين، هذه التقديرات لتكن موجودة ولكن يجب أن لا ننام عليها.

حول موضوع م. ت. ف برأيي أن منظمة التحرير غير موجودة بالمعنى الذي يتحدث به الناس. م. ت. ف هي نتاج النظام العربي. اليوم م. ت. ف هي مع أمريكا ومع النظام العربي، وأبو عمار عندما خرج من لبنان إلى القاهرة كان من الواضح أن هواه مصري، أنا بالنسبة لي لا مانع عندي كرأي شخصي أن تخرج منظمة ما تتعامل مع م. ت. ف لكن لا تلتزم بما ألزمت به نفسها من اتفاقيات. هذا حق طبيعي كأي شعب من الشعوب، ومحاولة حصر كل الناس في إطار محدود قد يبدو في بعض الحالات نوعاً من الإرهاب لأنه ليس م. ت. ف بل العالم اعترف بالفلسطينيين بعد حرب 1973، فالنضال العربي هو من وضع الفلسطينيين في هذا الموقع، ليس النضال الفلسطيني هو الذي وضع العرب.

النضال القومي العربي الذي خيض في 1956 و1967 و1982 والمقاومة العراقية هي التي وضعت الفلسطينيين في هذا الموقع. هذا لا يعني أنه لم يكن هناك دور للشعب الفلسطيني لكن كان الدور خارج الأرض المحتلة. في معارك الأردن ولبنان وتل الزعتر وظل دور الداخل مهمشاً.

خالد مشعل

أحترم كل ما طُرح من وجهات نظر، وبالتأكيد سوف نستفيد منها، ولكن لا أعتقد أن لدى حماس، أو غيرها إجابات كاملة عن أسئلة القضية الفلسطينية، لأن هذه القضية أعقد بكثير من أن يملك أحد الإحاطة، أو الإجابة عن كل سؤال فيها، إنما كلنا لدينا اجتهادات، لكن لا أحد يملك دليل تشغيل الآلة، كلّنا نجرّب ونطوّر، ومخطئ من يظن أن حماس كانت تملك كل التفاصيل يوم انطلقت. كان لدى حماس رؤية، أو تصوّر عام ومسار استراتيجي. ملاحظاتكم مقبولة ونحترمها، ولكن نرجو ألا تنتقدوا حماس في كل شيء، فما زالت التجربة في بدايتها، ولم يمر سوى القليل، وكما نحترم وجهات النظر الأخرى أرجو أن تتفهموا الملاحظات التي سنذكرها.

بالنسبة لملاحظات الرفيق فهد سليمان حول غموض برنامج حماس.. لا. هناك قضايا فيها وضوح تام، ويوجد قضايا هي كما قلت جزء من تعقيد المشكلة. ليس بالضرورة أن يكون هناك وضوح تجاهها. حتى عندما ركّز الدكتور يوسف على قضية الخصخصة، أو الاقتصاد المختلط.. فهذه مسألة تمّ تجاوزها، لأن هناك متغيرات في مسائل الاقتصاد عند الجميع.

اقتصادنا ليس مستقلاً، وحينما نقول خصخصة، أو مختلط لأن النظام القطري اليوم، كما تعرفون لم يعد لديه حرية لا في الاقتصاد، ولا حتى في الإعلام مع الفضائيات والغزو الثقافي والعولمة، فكيف إذا كان المجتمع تحت الاحتلال؟ نحن حقيقة في وضع صعب جداً.

إن قضية المقاومة ليست مهمة حماس وحدها، وأنا أفرّق بين دور الحكومة، وبين حماس. بمعنى أنني عندما أتكلم هنا عن مشروع وطني، أعرف أن الحكومة لها خصوصيتها وتتشكل في إطار معين، لكن هناك فصائل مقاومة وحماس موجودة ضمنها، وأنا هنا أتحدث عن المجموع، بمعنى أن هناك توزّعاً في الأدوار ولكن هذه ليست مهمتنا فقط. الحكومة تعبّر بشكل ما، ونحن بوصفنا حركة نعبر بشكلٍ آخر، بل نحن سنمارس المقاومة. حماس تنتظر طويلاً دون أن تسعى للمقاومة على الرغم من أننا في الساحة الفلسطينية لا نستطيع حصر الفعل وردود الفعل. هل تستطيع مثلاً أن تحدد فيما إذا جاءت هذه العملية أو تلك بمبادرة أم جاءت برد فعل؟! هي ربما مبادرة لأن هناك دائماً إرادة للعمل، أو هي رد فعل، لأنه كل يوم يوجد اعتداء، والعملية تأتي في سياق رد الفعل من باب تسويقها دولياً في الخطاب الإعلامي.

حماس معنية أيضاً أن تقدم نموذجاً على هذا الصعيد. أود أن أسأل: هل ستمنع حماس في غزة الآن من يود أن يعمل معسكر تدريب؟ إن حماس لن تمنع، بل ستوفر كل الإمكانات اللازمة للمقاومة.

السؤال هو: كيف نستغل الواقع الجديد في إدارة المقاومة؟!

هذا الأمر هو شغل الفصائل. لا أستطيع أن أطالب الحكومة كيف تُدار المعركة، بل نحن الفصائل علينا أن نحدّد ما هي استراتيجيتنا المشتركة؟ الاستراتيجية الجدّية لحشد طاقاتنا، وكل هذا متاح. كانت لدينا سلطة توفّر غطاء للمقاومة. الآن نحن نوفّر ليس فقط غطاء وإنما كل الإمكانات الممكنة. مع تقديري ليس لدى الشعب دائماً سلطة مقاومة، أي سلطة تمارس المقاومة. السلطة الفيتنامية كان لديها غطاء دولي وغطاء إقليمي، وعندها امتداد أو عمق جغرافي، وهذا مكّن السلطة الفيتنامية من أن تمارس المقاومة، لكن مثل هذه الظروف الموضوعية لا تتوافر للسلطة عندنا، ومع ذلك لا يسعنا (ولو الظروف غير متاحة) إلاّ كحد أدنى دعم هذه المقاومة. الحكومة لا تدين المقاومة ولا تعطلها. لا تعتقل، ولا تمنع، حتى ولو أدى هذا الأمر إلى تدمير السلطة، ومن الإيجابيات التي تُحسب لأبو عمار أنه أخذ بهذه السياسة، وانخرط بنفسه في الانتفاضة.

الأخوة في الفصائل يعرفون أن حماس لا تحتكر، لا القضية، ولا المقاومة. وفي خطابي في اليرموك أنا لم أذكر فتح إلاّ في السياق الإيجابي، لأنني خاطبت شرفاء فتح، ونحن احتضنا قطاعاً مهماً من شهداء الأقصى عندما منعت قيادة السلطة عنهم المخصصات. نحن لا نحتكر المقاومة، ونُقرُّ لفتح تاريخها النضالي، إنما هناك تيار استئصالي داخل فتح.

أنا دائماً أقول إن الفصائل سبقتنا في النضال، وهذا يحسب لها، ونحن خضنا بالمسيرة، وقمنا بواجبنا، أما قصة الاحتكار هذه فهي غير واردة، وعندما صمد أبو عمار وعلى الرغم من خلافنا السياسي معه، وقفنا معه موقفاً أخلاقياً ووطنياً، لأنه حين يستهدف الأجنبي الفلسطيني نتجاوز كل الخلافات لأجل المصلحة العامة.

قلتم إن البرنامج الحكومي لحماس فيه عموميات. أعتقد أنه لا برنامج يخلو من العموميات. أما سياسية الانتظار فسأتكلم عنها في تفسيرنا للمواجهة.

حول القضايا الثلاث التي أثارها أخي فهد: أنا لا أريد الدخول في التفاصيل، لأنها تستغرق وقتاً. وعلى الرغم من أنني لا أتهم أحداً، لكن، الحب يا أخوان يجب أن يكون من طرفين، وليس من طرف واحد. تريد حماس أن يبادر الطرف الآخر، ويتعامل بأريحية طبعاً، لا شك أنه في ظل الانتفاضة الأخيرة صار هناك أريحية متبادلة بين كل الفصائل، لكن علينا أن نستحضر هذا المعيار في كل المحطات. من جهتنا حرصنا على حكومة وحدة وطنية، لكن هناك أطراف (لا أريد تسميتها) ليسوا حاضرين في هذا اللقاء، تعرضوا لضغوط لكي لا يشاركوا معنا، وهذه معلومات وليست مجرد استنتاج.

وأمريكا هدّدت فتح نفسها بأنها سوف تضعها على قائمة الإرهاب فيما لو شاركت في الحكومة. وأخواننا في حركة فتح أخذوا قراراً في اللجنة المركزية منذ اليوم الأول بعدم المشاركة. كان هناك إرادة بعدم المشاركة في الحكومة، وعلى الرغم من احترامي لوجهة نظر الجبهة الشعبية، والديمقراطية التي توقفت عند هذه المسألة إلا أن وجهة نظرهم لم تكن مقنعة، وسوف أعلّق عليها.

حول مسألة م. ت. ف. هناك فرق بين الاعتراف بالمكانة التي تمثلها م. ت. ف، وبين قضية كونها الممثل الشرعي والوحيد.

موضوع الإصلاح نحن متفقون عليه، الإصلاح حق للجميع، لا نزايد عليكم ولا تزايدون علينا. كلنا متفقون حول هذه الصياغات التي تحدث عنها الأخ هنية في خطابه بوصفه رئيساً للوزراء، ومع كل الاحترام والتقدير لمكانة م. ت. ف على الرغم من أننا لم نكن ممثلين فيها، وعلى الرغم من أنها تاريخياً تشكلت بقرار رسمي عربي، ولكن بعد ذلك ومن خلال دخول الثورة الفلسطينية وفصائلها إلى المنظمة، والمكاسب والإنجازات التي حققتها أصبحت كياناً له مكانة معترف بها. نقطة التحفظ الوحيدة لنا هي مسألة التمثيل الشرعي والوحيد. كيف تطالبني أن أقول: أنها الممثل الشرعي والوحيد وأنا لا زلت خارجها، بل وأُمنع من دخولها.

عندما ندخل المنظمة سنعترف أنها الممثل الشرعي والوحيد، أما أن يطلب منا الاعتراف بإطار لسنا فيه، ونُمنع من دخوله، بأنه ممثل شرعي ووحيد، وخاصة في ضوء سوء النوايا (ليس عند أخواننا في الفصائل) بل عند من يمسك بتلابيب المنظمة. هذه البطاقة لن نعطيها، ولن نخضع لاستحقاق سياسي على ضوء استحقاق قانوني نريد الالتزام به. هذه هي نقطة الافتراق. في القاهرة وضعنا تحفظنا على النص. نحن لم نضع النص بل سجلنا تحفظنا على أنها الممثل الشرعي والوحيد، أما أن تقول لي هي ممثل شرعي ووحيد وأنا لست فيها، فهذا ليس إنصافاً.

سمعت ما قاله الأخ فهد حول إعلان الاستقلال على أنه المنعطف عام 1988 في النهاية، الذي رأت فيه الولايات المتحدة تحوّلاً لكنه غير كافٍ، فضغطت على أبو عمار رحمه الله. وباختصار أي سياق يفهم من خلال الاعتراف به اعترافاً بإسرائيل ليس وارداً، ورغم تقديرنا لحسن النوايا، ألا نستطيع تشكيل حكومة وحدة وطنية إلا إذا اعترفنا بهذا النص الذي يعود إلى العام 1988؟!

هذا نص قديم، وقيل حوله كلام كثير، وأنا هنا لا أود أن أعيد التاريخ، ولكن لماذا تأتيني بنصوص قديمة وتبني لي مواقف عليها، ولا سيما أنني أشتمُّ منها ما يتناقض مع ما أريده، لذلك أنتم تعتبرون أننا لم نتساهل، بينما أخواننا في الحركة يعتبرون أنه كان هناك قدر من التعثر عند الأخوة في الفصائل أدى إلى عدم الاتفاق، وأعتقد أنه لم يكن له مسوّغ، ولا ضرورة، لأننا هنا لا نتحدث عن فلسطين ولا عن قضية مركزية، بل نحن نختلف حول صياغات، وبالعكس كانت مدخلاً لموضوع الاعتراف بإسرائيل، أما قرارات الشرعية الدولية فهي تقوم على الفلسفة نفسها. صحيح أن الشرعية الدولية تعطيني مدخلاً للخطاب الدولي، وصحيح أن هناك قرارات مثل القرار 194، وقرارات أخرى من الممكن أن أتكئ عليها في المحصلة حزمةً واحدة أمتثل لها، أو أرفضها، نحن إذاً نتعامل مع قرارات الشرعية الدولية بما يحقق مصالح شعبنا، لكنني لا أقيّد نفسي، وأعتقد أن ذلك مضر، أو على الأقل يتناقض مع برنامج الحركة.

أنا ببساطة انتقائي في مسألة قرارات الشرعية الدولية. ثم، إذا كان هناك قرار يصادر حقي، لماذا أقبل به؟! لذلك لا أريد أن أدخل في قصة قرارات الشرعية الدولية، لأني إذا قبلت بها بمجموعها، فهناك قرارات تخرّب بيتنا بوصفنا عرباً وفلسطينيين.

طبعاً مسألة الانتقائية لا تجوز في قراراتنا الوطنية، أما بالنسبة لمجتمع دولي نعرف أنه قائم على المعايير المزدوجة فيجب أن نكون انتقائيين.

ثم لماذا أعتبر أنه منطق سياسي أن أتعامل بلا انتقائية؟

إسرائيل تمارس الانتقائية، لماذا لا أمارسها أنا؟! بالعكس الانتقائية هنا فضيلة، وليست مذلة.

عملياً سلّم أبو عمار بكل شروط المجتمع الدولي، التي هي سياسة أمريكية ظالمة، فهل حقق ذلك لنا أي نتيجة؟!

لذلك نحن نعوّل على استراتيجية جديدة، هي ليست حلاً سحرياً، لكنها نوع من الممانعة ضمن ظروف الواقع القائمة.

حول مسألة آلية اتخاذ القرار في الحكومة. لقد ناقشنا هذا الأمر في حركة حماس. طبعاً هناك بعد ربما لمّح له البعض، كما في تلميحات الدكتور يوسف، ولكن مهما قيل حول علاقة حماس في بعدها العربي والإسلامي، يجب أن يكون واضحاً أن قرار حماس هو قرار وطني، هذه القرارات تؤخذ ضمن مؤسسات الحركة، وتُقرْ داخلها. هذه قاعدة واضحة، ومحسومة وقابلة للاختبار والفحص. قرار حماس وطني محلي، ونحن لا نرهن أنفسنا لا لهذا المحور ولا لذاك، والكل يعرف أن قرارنا وطني فلسطيني لا يخضع لا لإملاءات هذه الدولة ولا لتلك، لكننا بالتأكيد نحترم، ونتعاون، ونقدر، ونصر على العمق العربي والإسلامي.

حول الآلية الناظمة لعلاقة الحركة مع الحكومة، فكل المسائل المتعلقة بإدارة الحكومة وقراراتها هي بيد الحكومة، لكن القضايا السياسية هي قرار الحركة، أي فيما يتعلق بما يتبناه أبناء حماس، وقيادات حماس من مواقف سياسية.

ما دامت الحكومة هي حكومة الشعب الفلسطيني، فكل قرار يقوم على توافقات لكن عندما تريد الحكومة التفاهم وطنياً مع جميع القوى فهي تتفاهم على أساس موقف حماس، وليس على أساس اجتهادات من هنا وهناك، أما القرار اليومي، وكيف تدير الحكومة شؤونها اليومية فهذا من حق الحكومة.

بالنسبة لموضوع الشتات وكيف تنظر حماس للشتات: نحن نعتبر أن هذا الأمر مهم، ولا أعرف من قال: إن الفلسطيني اللاجئ هو طاقة معطلة، وهذه مشكلة حقيقية، ولا شك أن الموقع الجغرافي للقيادة الفلسطينية عامل مؤثر، عندما انتقلت القيادة الفلسطينية إلى الداخل وأصبحت السلطة هي البديل العملي عن م. ت. ف التي ظلت إطاراً. لذلك نحن معنيون أن نتعاون على الرغم من كل التحديات. إشكالية الفلسطينيين في الأردن نعرفها، وإشكالية الفلسطينيين في لبنان أكثر تعقيداً. المشكلة أننا فصائلياً لسنا متآلفين على سياسة واحدة. لا تظنوا أن حماس عندما تتكلم عن الإرادوية فإنها غافلة عن التحديات. نحن لا نريد أن نغرق في التحديات، ولسنا غافلين عن كل التعقيدات التي تعيشها الساحة الفلسطينية، والظروف العربية، لكن حتى في ظل التحدي قيل لنحصل على أموال، وحصلت حماس على أموال، لكن السؤال كيف ندخل هذه الأموال.. كل هذه الأمور هي تفاصيل لا مجال للحديث عنها.

أما عن قضية حق العودة ودور الشتات، برأيي علينا أن نعطي اعتباراً للخارج الفلسطيني وهذا مهم جداً على الرغم من أنه ليس سهلاً، لكن في النهاية فإن أدوات العمل متاحة للشتات الفلسطيني وإن تكن العودة غير متاحة الآن، لذلك يجب أن نضع آليات بديلة ونعمل عليها. الخلل الأساسي أننا لسنا موحدين على أدوار توحد جهودنا. وبصراحة وضعنا في الخارج هو عقدة ظروف، وعقدة تداخلات منها إشكاليات ذاتية لدينا نحن الفلسطينيين، ومنها ضغوط خارجية.

موضوع الأسلمة أعرف أنه حسّاس، وحماس لا تعتبر الفوز بالانتخابات فرصة إنجاز سياسي محددة يمكن أن تستغلها في إطار اجتماعي أو ثقافي كما قيل، أو تؤجل هذا لفترة لاحقة. حتى التأجيل اللاحق لا يعني أن حماس ستفرض برنامجها الثقافي أو الاجتماعي على أحد.

طبعاً قد يظل البعض متشككاً بهذا الكلام، وكل الوعود والأماني هي عرضة للاختلاف، لكني أجزم أن موضوع الأسلمة ليس فيه فرض، ولا إجبار للآخر عليه. هذا اختيار حر للناس، والتجربة الإسلامية مثل أي تجربة فكرية أخرى تتحمل حولها وجهات نظر متعددة. ألا يوجد يمين ويسار ووسط متشدد ومتطرف ومعتدل؟!.. وكما يقول الشيخ القرضاوي: شدائد ابن عمر، ورفض ابن عباس.. هذا وارد أمام كل فكرة سواء كانت ربانية، أو بشرية، وحتماً يوجد هذا الطيف الواسع، ومن الطبيعي أن تجدوا في التجربة الإسلامية أو غيرها شخصاً متشدداً، وآخر يريد إكراه الناس، وآخر لا يريد.. هذا موجود في كل التجارب، وقد يحدث عندنا، لكن المهم هي السياسة الرسمية المعتمدة.

كل تجربة تغتني مع تطور الأحداث ونحن نأخذ بالفكرة الإسلامية مرجعيةً حقيقية، لأن الإسلام في خطه العام هو خط وسطي متوازن ومعتدل، وليس فيه أي قدر من الإسراف، وأي تصريحات لوزير أو نائب أو شيخ من إخواننا تعبر عن موقفه الشخصي، وليس عن سياسة رسمية تتبنّاها الحركة، ونحن لا نكره الناس على سلوك اجتماعي أو غيره، لكن هناك ضوابط عامة وسياسات عامة ككل مجتمع وضمن المتوافق عليه، وهي ضوابط أخلاقية تُراعى في كل مجتمع. وهذا موجود في الغرب وفي الشرق، أما أن نكره الناس فهذه مسألة غير واردة.

نحن نعرض بضاعتنا، وغيرنا يعرض بضاعته، والشعب يختار. ليس عندنا مشكلة، ثم إن المجتمع الفلسطيني من ميزته أنه مجتمع متسامح، باعتبار فلسطين أرض الأنبياء والرسالات، والعلاقة بين المسيحيين والمسلمين في فلسطين هي علاقة متميزة.

حول موضوع السلطة الذي طرحه الدكتور ماهر الطاهر: أنا علقت أن السلطة في فلسطين هي سلطة غير طبيعية، والمتغير الذي جرى يعطي فرصة لتجاوز التجزئة. نعم يمكن أن يعطي فرصة، ولكن هل هذا هو الحل الأنسب؟! من المهم أن لا تكون السلطة موقعاً لممارسة الأحقاد، وفي الوقت الذي لا أعتبرها حرّة بل هي سلطة مقيّدة، وأريد التخلص منها، لكن نعرف أنه ليس عندنا بديل، ويمكن أن نترك فراغاً، بمعنى أن عقلية حماس تعتبر أن السلطة بذاتها ليست قيمة تحرص عليها كفلسطين والمصلحة الوطنية، ولا هي في الوقت نفسه عيب نخجل منه. نحن لسنا مخدوعين بها، ولا نفهمها خطأ، وأنا ما زلت أقول بعد مجيء حماس إلى السلطة: إن الواقع لم يتغير، وما زلت أقول: هذه السلطة وحكومتها لا تملك سيادة ولا يحزنون، وبالتالي لن نخدع أنفسنا لأننا أصبحنا في الحكومة.

ربما مع توالي الأحداث إسرائيل تحسم خيار السلطة، والمهم ألا نتعجّل، وأن نمضي في عملنا دون أن تكون السلطة قيداً علينا.

حول موضوع الـ1948 في استراتيجية حماس. طبعاً هذا الموضوع حساس، ومع أن أوسلو تجاهلت الـ48، وتجاهلت الخارج، ولكن لا شك أن كل تجمّع، أو تكتّل فلسطيني في الشتات وفي أي مكان له خصوصياته، وأنا مع تطوير الوضع الفلسطيني في كل الجهات.

وضع الفلسطيني في الـ1948 بالغ التعقيد والصعوبة، وهناك نية في إسرائيل لتهجيرهم، وأعتقد أننا معنيون فلسطينياً بكيفية أن نستثمر المجموع الوطني في الـ48، ولا أعتبر أن هؤلاء هم جزء من الدولة الإسرائيلية إلا كأمر واقع، بل هم  جزء من المشروع الوطني.

حول مسألة إقامة الدولة بحدود الـ67 التي طُرحت، إذا أردت أن أتكلم عن قناعتي بكل شفافية، فموقف الحركة لن يتغير، ولن يأتي يوم تقول فيه حماس إنها تفرّط في شبر من فلسطين. هذا ليس من حقنا، بل هو حق فلسطيني،  وهناك عشرات الآلاف الذين يقولون: إنهم لن يسامحوا في وطنهم، فكيف يمكن أن تنهي الصراع وهناك كتلة بشرية لها حق لم تحصل عليه؟ هذا الكلام يفهمه الغرب، وطبعاً أعرف أن موازين القوى لا تسمح، أما قصة أن ما لا يُدرك كله لا يترك جزء منه فأنا مع الحق الفلسطيني وعدم الاعتراف بإسرائيل. هذان ثابتان. سيقال كيف تتكلم مثل هذا الكلام، وكيف ستطرح مشروع حل..؟ دعونا نتحدى بعضنا بعضاً. أنا أتحدى اليوم أن يعرض غطاء عربي يقول: تمسكوا بحدود الـ1967، وبالقدس كاملة، وبحث عودة اللاجئين إلى أراضيهم وكل هذا، وتعترف بإسرائيل. أنا أتحدى أن نجد غطاءً لهذا.

هذا ليس سلاماً، وواهم كل من يعتقد أن التفاوض مع إسرائيل سيؤدي إلى سلام. هناك ثلاثة خيارات تجعل الأمر ممكناً. إما أن يكون لدى إسرائيل قابلية للتفاوض، أو أن تقهرها قوة دولية وتفرض عليها التفاوض، والمجتمع الدولي عندما أراد أن يفرض إرادته على بعض الحالات استطاع فرضها. أو أن يحصل تغيّر في موازين القوى يخلق مفاعيل جديدة، بحكم صمودنا وأدائنا. أعرف أن خياراتنا ضيقة جداً، وقد تجد إسرائيل في ظرف ما مجبرة على التراجع، فهي احتلت جنوب لبنان عام 1982، ثم جاء ظرف عام 2000 أجبرها على الخروج من لبنان وانسحاب إسرائيل من غزة يأتي في هذا السياق. صحيح أنه جاء في سياق فك الارتباط، ولكن في النهاية هناك ظرف ممكن أجبر إسرائيل في لحظة ما على هذا الإجراء، وربما من باب تقليل الخسائر أن تنكفئ إسرائيل في الظرف الحالي ولكن لن تسلّم بحدود الـ67، حتى ولو شطبنا حق العودة. إسرائيل لن تقبل بحدود الـ67، ولا بغيرها.

قد يقول بعضكم: إذا كانت هذه قناعتكم في حماس فلماذا تتحدثون عن الحل المرحلي؟ والجواب أننا نتحدث من باب »تفضل يا سيدي تريدون دولة في الـ67 نحن موافقون«، لكن حماس لا تراهن على هذا، حماس تعد وليس وحدها على عمل استراتيجية صمود وممانعة، وخلق مفاعيل جديدة، وليس صحيحاً أننا لم نستطع عمل شيء في الماضي. لا، بعد خروج الثورة من بيروت جاءت الانتفاضة عام 87 وعملت تحدياً كبيراً، لا أعرف من طرح منكم أن حماس على ماذا تراهن؟! على خطة المشروع الوطني أو الإسلامي؟! أنا أريد أن ابدأ بهذه  النقطة لأن لها علاقة بما سأقوله، في السياق التاريخي، نعم يوجد فرق بين المشروعين، لكن المشروع الإسلامي نبت في بيئة معينة، والمشروع الوطني، بصفته المعروضة في م. ت. ف نعم نشأ في فترة متقاربة، والفصائل دخلت مع التيار القومي داخل الثورة وصار هناك وجود لـ م. ت. ف، والبيئة العربية في ذلك الوقت كان فيها التيار القومي والتيار اليساري، التيار الإسلامي جاء لاحقاً، تشكل في ظرف مختلف، هذا صحيح، لكن هذا لا يعني وجود تناقض بين المشروعين، هذا وطني وهذا وطني.

والسؤال: هل أنتم في جو هذا المشروع الإسلامي كونه له عمق إسلامي وله مؤثرات أقرب لصالح التأثير الأول أو الديني، نعم اليوم هناك قوى إسلامية سواء شعبية أم دولية، لكن هذه الدول والقوى ما يهمني أنها تقف موقفاً إيجابياً بشأن الحق الفلسطيني، نحن امتدادنا إخوان مسلمون. هذا صحيح، لكن نحن من ضمن حركة وطنية في الساحة الفلسطينية، كما كانت الجبهة الشعبية ضمن خط قومي عربي، هل حركة القوميين العرب التي كان فيها الكويتي أحمد الخطيب وجورج حبش وباسل الكبيسي العراقي شيء سلبي؟ نحن أمام حركة الإخوان المسلمين في الوضع نفسه، أصلاً الشعب الفلسطيني انخرط في كل هذه القوى، هذه الخلفية لم تبقَ. أين هي الآن؟

نشأ تيار الإخوان المسلمين في فلسطين عام 46، هذا صحيح كان له بدايات، وهناك تاريخ سجل نشأة حماس، وهي نوع من التحوّل الذي جاء ضاغطاً في إطار الحركة الإسلامية، أين نحن من العمل الوطني؟ أنا دخلت الحركة الإسلامية عام 1971، هل كنت راضياً، أين الحركة الإسلامية، والإخوان المسلمين، من المشروع الوطني الفلسطيني؟! كانت خاوية، أنا كنت في جامعة الكويت وكانت كل القوى الفلسطينية موجودة في ذلك الوقت، لذلك كان نشوء حماس داخل غزة والضفة وفي الخارج خاصة في ظرف قضيتا الوطنية، من هنا نشأت حماس، ما الذي غيّب الإسلاميين عن التجربة الفلسطينية؟! هناك عامل موضوعي عام له  علاقة بمصير حركة الإخوان المسلمين التي كانت مضطهدة، ولكن أيضاً كانت هناك عوامل ذاتية خطأ، بكل ثقة أقولها، كان هناك خلط أحياناً، ما بين هل نعمل دولة إسلامية أم تحرير فلسطين؟! لأنه تكونت قناعة متفق عليها ثم اختلاف الأيديولوجيا، أن النظام الرسمي العربي مستعد أن يحارب إسرائيل، كانت هذه القناعة بإخلاص وصدق ولكن نحن حللنا القضية، وقلنا لن ننتظر حتى تقوم الدولة العربية الإسلامية ذات القرار المستقل، لا أنا فلسطيني وأريد أن أقاتل على أرض فلسطين، وبعد ذلك، قلنا إن الصمود الفلسطيني الذي يخلق ارتباطاً بالعمق العربي، ولن ننتظر العمق العربي حتى يدعم النضال الفلسطيني.

 

الاستراتيجية البديلة

بعض الناس يظن أن حماس عندما تتحدث عن الاستراتيجية البديلة تعني فقط المقاومة. الاستراتيجية البديلة ليست تفقط المقاومة.. ليس عند حماس مشروع قابل للتطبيق اليوم بديلاً للمشاريع الأخرى، وليس هناك أفق للوصول لشيء مقبول فلسطينياً بالحد الأدنى. 

لا نريد أن نظل رهائن لطرح مشاريع لا يقبلها الطرف الآخر (إسرائيل). البديل: هو المزج بين المقاومة والعمل السياسي.

دعونا نغيّر التكتيك. أنا لا أريد أن أعطي الموافقة على ما هو مطروح، ولكن ليس أمامنا نحن الفلسطينيين من خيار سوى سياسة الممانعة والمقاومة والتمسك بالثوابت الوطنية المتوافق عليها. ثم علينا أن نوفّر عوامل النهوض.

الظرف العربي والدولي صعب، وكل العوامل ليست في مصلحتنا، فما هو البديل؟! الاستسلام؟! لا، ولا أيضاً لتقديم المزيد من التنازل.

أريد أن أعلق على نموذج طالبان وتركيا. أنا أعرف كيف تتعامل السياسة الغربية مع الإسلام السياسي، ولكن بعد أن تعمقت في الأمر وخضنا التجارب صار واضحاً لنا أن عدونا له استراتيجية معروفة، ففي الوقت الذي يريد فيه المحتل أن يطحنك يحاول أن يتعامل معك وفق شروطه، إلا إذا أثبت أنك قادر أن تفرض عليه التعامل بدون أن تتنازل عن حقوقك.

نحن معنيون اليوم بالساحة العربية بشكلٍ عام في دراسة هذا النموذج. طبعاً هناك اعتبارات معينة في تعامل أمريكا مع تركيا لها علاقة بدور تركيا ووجودها ضمن الأر

مظلة الأطلسية المعروفة، وعلى الرغم من أن التجربة التركية كانت مثالاً على المرونة حدث الانقلاب على تجربة أربكان الذي هو المعلم. لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه التجربة ولكن تعامل أمريكا مع الإسلام السياسي مرة بالفكر، ومرة بجعله فزاعة للأنظمة لينتزعوا منها تنازلات في فلسطين والعراق، وبالكاد يتقبلون في الغرب مساحة من التعايش مع الإسلام السياسي في البلدان العربية، فهل يعقل أن السياسة الأمريكية ستتعامل بسهولة مع إسلام سياسي مقاوم داخل فلسطين؟!

عندما جاءت نتائج الانتخابات على عكس التوقعات كانت الصدمة الحقيقية، لذلك الحصار المضروب علينا ليس مجانياً وهو محاولة لإنهاء هذه التجربة. لأنه لا يمكن لأمريكا ولا حتى أوروبا ولا حتى لإقليم المحيط أن يتحمل تجربة إسلامية تنعكس على دول مثل الأردن، ودول أخرى يكون لها انعكاس على الواقع الداخلي لهذه الدول، وأيضاً نموذج يعطي غطاء للمغاربة، يتمسك ببرامجه السياسية ويمارس المقاومة، لا يستجيب لمتطلبات المجتمع الدولي أو شروط القبول به في هذا الواقع يعني أبو عمار كنموذج حين تماسك في الفترة الأخيرة لم يتحملوه، فهل سيتحملون حماس؟ نحن أمام تحدٍ كبير. لا أقول لكم إن الأمريكان يغازلوننا ونحن خجلون، لا، عندما أقول لك إن  أمريكا على الرغم من انحيازها لإسرائيل لا أصفها بأنها عدو من باب تضييق دائرة الصراع، لا أريد محاربة العالم كله، لذلك قلت للروس والأتراك، إن من مصلحة روسيا وتركيا إذا أرادتا أن تلعبا دوراً ألا تستجيبا للشروط المطروحة، لأننا إذا استجبنا للشروط فإن بوش غداً يستقبلنا في البيت الأبيض، وبالتالي لا يبقى دور لروسيا ولا لأنقرة، إذا أردتم دوراً. فممانعتنا تعطيكم هذا الدور، ونحن لسنا متلهفين للذهاب إلى البيت الأبيض.

في اليوم الذي يحكم فيه التيار الإسلامي في المنطقة هو جيل الشباب كما هو جيل اليساريين والقوميين والذي نشأ بعقلية مختلفة، حقيقة أن القيادات الإسلامية اليوم وهي على الدوام كانت مناهضة للغرب، ربما كان هناك محطات حصل فيها نوع من السبات، واليوم الحركة الإسلامية هي واجهة المواجهة مع الأمريكان. هذه مسألة من يحارب أمريكا أكثر، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا، أؤكد لكم أنه لا شيء من أمريكا فهي لا تتغزل بنا ولا تعطينا.

 


المزيد من ورشات العمل

إضافة تعليق

 
الاسم
البلد
التعليق
       

 

الصفحة الرئيسية

مواقع صديقة
أجراس العودة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مجلة الهدف