| طباعة | أرسل إلى صديق الصفحة الرئيسية
  برنامج ثقافي للروائي ابراهيم نصرالله ~ 
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة
تحولات التجربة الفلسطينية
تأليف: سمير الزبن
الناشر: مركز الغد العربي للدراسات

لرؤية الغلاف بالحجم الحقيق




 

m 

عانت الساحة الفلسطينية في تجربتها المعاصرة من مشكلات بنيوية وتكوينية، وقائمة طويلة من إشكاليات العلاقة ما بين الموقف السياسي الفلسطيني وتمثيله لقطاعات الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده، وفي كثير من المحطات الفلسطينية لم يعكس الموقف الرسمي الفلسطيني حقيقة مواقف الشعب الفلسطيني، وما يمكن رصده في هذا الإطار أن الأداء السياسي الفلسطيني كان أقل كفاءة منسوباً إلى عدالة وأخلاقية القضية الفلسطينية، ولم تستطع القيادة الفلسطينية توظيف هذا التفوق الأخلاقي والعدالة الصارخة في إطار صراعها مع إسرائيل في الشكل المناسب.  

 

بالتأكيد، لا تهدف هذه الدراسة إلى إدانة التاريخ الفلسطيني المعاصر بكل مراحله، ولكنها تهدف إلى مراجعة التجربة السياسية الفلسطينية من زاوية مشكلاتها البنيوية وتسليط الأضواء على هذه المشكلات التي لعبت دوراً رئيسياً في توجيه السياسة الفلسطينية. وذلك من خلال مراجعة أداء النخبة السياسية الفلسطينية ممثلة بقياداتها التاريخية وما وصلت إليه هذه السياسة من تردي.  

 

كما تهدف هذه الدراسة إلى معالجة المشكلات البنيوية وأثرها في الأداء السياسي الفلسطيني، وتفسير التحولات التي جرت على الهدف السياسي الفلسطيني وعلى الخطاب السياسي الفلسطيني، وتهدف إلى تقديم نظرة جديدة للعلاقة ما بين قطاعات الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية ومدى تأثير هذه القطاعات على القرار السياسي. ولذلك تحاول الدراسة مقاربة الإجابة ـ على قدر ما تستطيع وبتواضع ـ على أسئلة من نوع:  

 

* هل التشتت الفلسطيني بين الأراضي الفلسطينية ودول الشتات كان العامل المؤثر على ضعف الأداء السياسي الفلسطيني؟  

 

* هل انفصال القيادة الفلسطينية عن الشعب الفلسطيني بحكم وجودها بعيداً عنه منعت الشفافية والمحاسبة، مما أدى إلى ضعف الأداء السياسي الفلسطيني؟  

 

* هل التداخلات العربية وواقع التداخل الفلسطيني ـ العربي في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لعب دوراً أساسياً في ضعف الأداء السياسي؟  

 

* هل تتحمل القيادة الفلسطينية المسؤولية عن التردي في الأداء السياسي الفلسطيني، بحكم بعدها عن شعبها، وعدم قدرة هذا الشعب على التأثير على السياسة بحكم الاستئثار القيادي لها، وهل هذا من عناوين ضعف الأداء السياسي؟  

 

* هل كانت التجربة الفلسطينية كما عشناها في العقود الأربعة الماضية، التعبير الأمثل عن القضية الفلسطينية، أم أن الضعف في أداء القيادة الفلسطينية لعب دوراً أساسياً في الاختلال؟  

 

* هل التدخلات العربية في الساحة الفلسطينية لعبت دوراً حاسماً في تعطيل الأداء السياسي الفلسطيني، أم أن أساس المشكلات كان حصراً في العلاقات الداخلية الفلسطينية ـ الفلسطينية؟  

 

* هل كان غياب الديمقراطية عن التجربة السياسية الفلسطينية عائداً إلى عوامل موضوعية، أم أن الاستبداد السياسي هو الذي لعب الدور الأساسي في استبعاد البشر من صناعة القرار السياسي الفلسطيني؟  

 

بالطبع ليس هناك إجابة واحدة على هذه القضايا الشائكة والمتشابكة، فهذه الأسئلة والأسئلة الأخرى التي ستحاول هذه الدراسة ملامستها، لا تدعي الإجابة على هذه القضايا. بل على العكس، إن مهمة هذه الدراسة طرح الأسئلة التي لم يتم التطرق لها في التجربة الفلسطينية، أكثر مما ستكون مهمتها تقديم إجابات، رغم أنها ستقترح إجابات مفتوحة للنقاش، وليست إجابات نهائية.  

 

لقد عانت البنية الاجتماعية الفلسطينية من العديد من الضغوط، كان أهمها الانكسار الذي أصاب المجتمع الفلسطيني في كارثة الاقتلاع. وشكلت الكارثة الفلسطينية العنوان الأبرز لانهيار المجتمع الفلسطيني، وتحول الفلسطينيون إلى تجمعات سكانية أكثر منها مجتمع متواصل ومنسجم يخضع لسلطة واحدة ولضغوطات واحدة. لقد اتسمت التجربة الفلسطينية بالتعرض لضغوط هائلة ومتنوعة ومن مصادر مختلفة، وقد خضعت التجمعات الفلسطينية لسلطات وتجارب وضغوط تختلف من مكان إلى آخر، كل هذا شكل علامات بارزة في التجربة الفلسطينية المعاصرة. رغم أن الفلسطينيين استطاعوا المحافظة على وحدتهم بمعنى من المعاني، إلا أن هذه الضغوط والتدخلات بقيت ترسم الندوب في خريطة التجربة الفلسطينية.  

 

أفرزت التجربة الفلسطينية نخبة سياسية مُتَرحّلة، نستطيع أن نسميها »قبيلة العمل السياسي الفلسطيني«، وقد أمسكت هذه القبيلة بتلابيب العمل السياسي، وأصبح المكان الذي تتواجد فيه هذه القبيلة هو مركز العمل الوطني الفلسطيني وموقع الثقل المركزي لصناعة القرار الفلسطيني، الذي احتكرته الزعامات الفلسطينية، دون أن تستطيع بناء مؤسسة قيادية فلسطينية.  

 

لقد شكلت منظمة التحرير الإطار الجامع للتجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، بوصفها الهوية المعنوية والسياسية الجامعة في ظل غياب وطن يوحد الجميع. ولكن هذه المكانة المعنوية لمنظمة التحرير لم تتناسب مع العلاقات الداخلية للمنظمة، ولم يتم التعامل معها كإطار جامع، بقدر ما تم التعامل معها كأداة سياسية تستدعى عند الحاجة للمصادقة على قرار سياسي متخذ سلفاً. ولم يشكل إطار منظمة التحرير المكان المناسب لتفاعل الجدل السياسي بوصفه الأداة التمثيلية للفلسطينيين، وكان انعقاد المجلس الوطني أقرب إلى المهرجانات السياسية منها إلى برلمان سياسي فلسطيني.  

 

وعندما وقّعت القيادة الفلسطينية اتفاقات أوسلو وضعت منظمة التحرير على الرف، رغم أن التوقيع على الاتفاقات كان باسم المنظمة. وتم تقديم السلطة الفلسطينية عليها، واعتمادها كأداة لصناعة القرار السياسي الفلسطيني. وشكل هذا التحول في آلية صناعة القرار السياسي الفلسطيني خطوة إضافية وحاسمة في تدمير الإطار المرجعي الجامع للفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، وتم اعتماد أدوات تمثيل جزئية بديلة عن الإطار الأشمل، ولم تعد منظمة التحرير تُستدعى حتى في المناسبات.  

 

اعتمدت القيادة الفلسطينية على المفاوضات وعلى اتفاقات أوسلو التي أفرزتها هذه المفاوضات، لتحويل المشروع الوطني الفلسطيني إلى واقع على الأرض الفلسطينية من خلال الحصول على دولة فلسطينية تجسد الحلم التاريخي للفلسطينيين. ولكن الوضع الفلسطيني علق في عنق الزجاجة، فقد علقت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية في المرحلة الانتقالية، ولم تغادرها، وبذلك علقت القيادة الفلسطينية في المرحلة الانتقالية أيضاً، فهي كفت عن كونها ثورة، ولم تتحول على أرض الواقع إلى دولة، فخسرت الصفتين في آن.  

 

لقد تعاملت القيادة الفلسطينية مع الاتفاقات الانتقالية التي أنتجت سلطة مؤقتة بصفتها مكسباً نهائياً، وعملت على أساس أن تبني من خلاله سلطة شمولية / استبدادية، ولأنها كذلك فقد استعانت بالقطاعات الواسعة للفاسدين، وتركت الخبرات والكفاءات التي تستطيع أن تقدم الشيء الكثير للبناء الفلسطيني الوليد، اعتقاداً من القيادة الفلسطينية أن السلطة الطيّعة تبنى من الفاسدين، وهذا صحيح، ولكنه يبني في النهاية سلطة فاسدة. وقد بنيت هذه السلطة من المكان الذي انتهت إليه التجارب العربية، وليس من المكان الذي بدأت منه.  

 

أدت المشكلات البنيوية إلى ما أدت إليه من مآزق فلسطينية متكررة، وتعود هذه المشكلات إلى عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، وهذه المشكلات البنيوية هي ما تحاول هذه الدراسة ملامسته.  

 

هل نجحت؟ أتمنى ذلك، ولكن هذا يرجع في النهاية إلى ما يمكن أن نثيره من جدل، وما نطرحه من أسئلة نحن بأمس الحاجة إليها.  

 



اقرأ أيضاً
اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية
إسرائيل من الداخل
صابر محي الدين الغائب الحاضر
الإصلاح والدولة البيروقراطية
الانتفاضة الفلسطينية
آفاق المسألة الفلسطينية
النفوذ الصهيوني في العالم بين الحقيقة والوهم
تطور مفهوم المجتمع المدني
العرب وأمريكا
الدولة الفلسطينية المنشودة الواقع والاحتمالات
أمن أجل فلسطين وحدها
ازدواجية النظام السياسي الفلسطيني في كتاب

الصفحة الرئيسية

مواقع صديقة
أجراس العودة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مجلة الهدف