| طباعة | أرسل إلى صديق الصفحة الرئيسية
  برنامج ثقافي للروائي ابراهيم نصرالله ~ 
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة
تطور مفهوم المجتمع المدني
تأليف: غازي الصوراني
قدم له: الاستاذ سلامة كيلة
الناشر: مركز الغد العربي للدراسات

لرؤية الغلاف بالحجم الحقيق




يتناول الكتاب مفهوماً بات يستخدم في الفكر السياسي العربي منذ تسعينات القرن العشرين، لكن بإرتباك شديد، وبدا أنه يستخدم كأداة هجوم أيديولوجية، أكثر من كونه مفهوماً بحثياً يهدف إضاءة حيّز معين.

ولهذا افتقد تناوله منهجية البحث، كما افتقد استخدامه هدف وعي الواقع، أو إضاءة الزاوية التي يجري السعي لوعيها في الواقع.
فمنذ أن أصبح مفهوم " المجتمع المدني " متداولاً ونحن إزاء إشكال معرفي، ولقد كُتب الكثير حول المفهوم وعُقدت ندوات متعددة ناقشته، منذ أن أصبح غرامشي محط اهتمام قطاع من الماركسيين نهاية ثمانينات القرن العشرين.[1].

فقد تنازع تناوله مَيْلان متعاكسان، الأول تبنّى المفهوم بدون أن يعمل الفكر لتحديد ماهيته، وتعيين المعنى الذي يعطيه له، و بالتالي قدّم " تعبيراً فارغاً". وكان ماركس شاهداً في كل الدراسات التي تناولته لتأكيد أحقية المفهوم و"شرعيته"، لكن غرامشي كان أبرز في هذه المحاولة. لكن كل ذلك لم يسهم في توضيح المفهوم، أو تحديد الهدف من استخدامه، مما أبرز الميل لأن يكون وعاءً لتيار يسكنه الهم الديمقراطي – الأمر الذي جعل مفهوم " المجتمع المدني " يساوي الديمقراطية – و يتخفّى تحته الميل الرأسمالي ،ليتحوّل إلى " أداة أيديولوجية "، رغم كونه مفهوماً بحثياً، كما ظهر – مثلاً – لدى غرامشي، حيث سيكون المجال (المتعلق بالتكوين الاجتماعي) الذي يجري فيه " الصراع الأيديولوجي " وتتحقق فيه الهيمنة، هذا المفهوم المركزي لديه، والذي يعني سيادة (أو انتصار) توجّه فكري/سياسي محدد عبر الصراع الأيديولوجي في هذا الحيز الذي يضم النقابات والهيئات المدنية والمدرسة والكنيسة[2].

هذا الوضع أسس لالتباسات في التحديد العياني لواقع " المجتمع المدني ". هل هو "المنظمات غير الحكومية"، أو الشبكات التي تعمل بتمويل "خارجي"، أو الهيئات التي تعمل من أجل الديمقراطية؟.

الميل الثاني أسّس موقفه على رفض مفهوم " المجتمع المدني "، لأنه بالأساس يرفض "النضال الديمقراطي"، أو لأنه اختزله إلى الشبكات التي تعمل بتمويل "خارجي". ولكي يتأسس الرفض "نظرياً" حاول أن يساوي بين "المجتمع المدني" والمجتمع البرجوازي، انطلاقاً من أنه يرفض أصلاً المجتمع البرجوازي، أو حاول أن يتشكك في أغراض دعاته، تأسيساً على الدعم الذي يتلقوه من "جهات خارجية" هي في الغالب مؤسسات رأسمالية أو مؤسسات متواجدة في المراكز الرأسمالية (وربما تكون يسارية)، وبالتالي تجاوز التعامل العلمي مع المفهوم عبر تلويثه، سواء بالبرجوازية أو بالارتباط. والخطأ هنا يتمثل في الربط بين المفهوم والليبرالية الاقتصادية. حيث أن المفهوم لدى ماركس هو تحديد (مستعار من هيغل) للمستوى الاقتصادي الاجتماعي بشكل عام، لهذا تكرّس مفهوم "قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج" بديلاً عنه. وهو لدى غرامشي تحديد للمستوى الاجتماعي أو للهيئات التي تنتج عن المستوى الاجتماعي (لهذا وضعه في مصاف البنية الفوقية). ومن ثم – و على ضوء هذا الفهم- يمكن أن يكون "المجتمع المدني" بما هو نقابات وهيئات مدنية وأحزاب، ضد الليبرالية الجديدة ومدخل تجاوز الرأسمالية، بما هو حركة مجتمعية (وبالتالي هيئات ونقابات وأحزاب فاعلة)، و لا يعبر بالضرورة عن البرجوازية.

إنطلاقاً من هذين الميلين المتعاكسين، وُضع مفهوم "المجتمع المدني" في حيّز الالتباس، كما أصبح دور حركة "المجتمع المدني" في حيّز الالتباس كذلك، التباس ذاتي حكم نشطاء الحركة، والتباس في وعي الآخرين لدور حركة "المجتمع المدني".

لهذا من الضروري الحوار حول المفهوم من أجل تحديد كنهه، فهل هو المقابل للمجتمع البرجوازي، ليتحدد الموقف منه إنطلاقاً من الموقف من البرجوازية ذاتها؟ وهل هو مفهوم يستخدم في تحليل المجتمعات، أم أنه حركة؟ هل يساوي الديمقراطية أم لا صلة منهجية له بها؟ وهل يمكن أن يستمد شرعيته، أو يستمد إعدامه من ماركس؟.

يمكن هنا الإشارة إلى أربعة لحظات مرّ بها هذا المفهوم:

اللحظة الأولى: هي لحظة نشوئه اللغوي وتحديد معناه، وهي اللحظة التي بدأت منذ عصر النهضة وصولاً إلى هيغل. والكتاب يحقّبها بشكل واضح.

اللحظة الثانية: هي لحظة ماركس الذي، وهو يحدّد المفهوم استناداً إلى هيغل قام بتجاوزه، من خلال مفهوم بديل أصبح هو المفهوم المتداول. والكتاب أيضاً يسهب في توضيح ذلك.

اللحظة الثالثة: لحظة غرامشي الذي عاد إلى "نبش" المفهوم، لكن لاستخدامه في سياق آخر – ربما نتج عن تطور المجتمع البرجوازي، حيث يميّز بين روسيا وبالتالي ضرورة الثورة، وأوروبا الرأسمالية وضرورة حرب المواقع - معتبراً أنه "المستوى السياسي" المجتمعي المقابل لـ "المستوى السياسي" الذي هو الدولة، ويقصد به النقابات والمدرسة والكنيسة.

اللحظة الرابعة: العودة إلى المفهوم – وإلى غرامشي – على ضوء حركة المعارضة التي نشأت في دول إوروبا الشرقية (المنظومة الاشتراكية) منذ بداية ثمانينات القرن العشرين، لتنظير حركة النقابات العمالية في بولندا. ثم الاستخدام الأيديولوجي له كمقابل لسلطة الدولة الشمولية، و إدّعاء تمثيل المجتمع. وهذه اللحظة هي اللحظة التي جرى تعميمها، عبر التركيز المكثف على المفهوم –دراسة وإعلاماً-، لتصبح هي لحظة التأثير وصياغة الوعي لدى قطاعات من المثقفين والساسة. وهي اللحظة التي أوجدت كل الالتباسات التي أحاطت بالمفهوم، ووضعته محل شك وتشكيك، لأنها كانت "الكلمة السحرية" التي "فكت أسر" المجتمع، لكنها دمّرت الاشتراكية. لتصبح هي "الكلمة السحرية" الضرورية لتجاوز النظم الاستبدادية من جهة، و"اللعنة" التي استخدمتها "الرأسمالية العالمية" لتهديم النظم الاشتراكية من جهة أخرى.

كيف نزيل "اللعنة" عن هذا المفهوم، دون أن نعتبره "الكلمة السحرية"، وبالتالي أن يُفهم في إطاره المنهجي؟

يحاول الكتاب ذلك، وأتمنى أن يكون قد تقدّم خطوة في هذا المجال، خصوصاً أن هذا الموضوع أصبح مجال بحث منذ عقد تقريباً، وقُدّمت فيه دراسات هامة، منها مثلاً دراسة الدكتور عزمي بشارة المعنونة "مساهمة في نقد المجتمع المدني".

لكن ما يحاول أن يبحث فيه هذا الكتاب أبعد من ذلك، و يتمثل في محاولة الإجابة على السؤال: هل وصل التكوين الاقتصادي الاجتماعي في الوطن العربي إلى مستوى يسمح بأن يكون مفهوم "المجتمع المدني" مطابقاً له، وبالتالي أن يخدم في إضاءة هذا التكوين؟ لهذا فهو يحاول أن يشرح مشكلات علاقة المفاهيم بالتكوين الاجتماعي. وإذا كان يسعى لتوضيح مفهوم "المجتمع المدني"، ويشير إلى تحديد معنى البرجوازية، فهو يعمل على تحديد طبيعة التكوين الاجتماعي في الوطن العربي. ولكن ربما كان الربط بين "المجتمع المدني" والبرجوازية يخلق مسبقاً إشكالية تتعلق بعلاقة المفهوم بالتكوين العربي. وسيبدو هنا أن "خلطاً" بين مفهوم "المجتمع المدني" وتشكل المجتمع المدني الحديث، أي المجتمع البرجوازي، القائم على مبدأ المواطنة، وتشكّل الطبقات، وسيادة القانون، والحرية...الخ. "خلطاً" يسكن الوعي، حيث أن مفهوم "المجتمع المدني" نشأ عن تشكّل المجتمع الحديث، لكنه كان يعني مسألة محدّدة حاول الكتاب أن يوضحها، مع التأكيد أن لا مجتمع مدني دون المدنية الحديثة، حيث أن المجتمع المدني يفترض تجاوز البنى القبلية والطائفية و"المحلية"، لمصلحة مبدأ المواطنة، الذي هو نتاج الحداثة الأوروبية المؤسسة على انتصار الرأسمالية، رغم أن إعادة توظيف المفهوم في مواجهة المنظومة الاشتراكية كان يهدف إلى إعادة الرأسمالية تحديداً، وهذا هو "الاستخدام الأيديولوجي" لهذا المفهوم، الذي أصبح، ربما لأول مرة، مفهوماً متداولاً (ويمكن أن نقول أنه أصبح موضة)، حيث بدا أنه يوظّف ضد كل النظم التي تمرّدت على الرأسمالية، أي الاشتراكية وحركات التحرر القومي. وهذا أساس الالتباس الذي أصاب المفهوم، الذي لم تخرجه منه العودة إلى ماركس أو غرامشي، لأنهما كانا "شاهديّ زور" على فهم له كان يهدف إلى توظيفه أيديولوجياً.

هل نستطيع تحديد معنى "المجتمع المدني"؟ وهل هو مفهوم بحثي أو هدف سياسي، أو غطاء أيديولوجي؟

ربما كان الموضوع يحتاج إلى بحث أوفى، رغم أن في البحوث التي كتبت من قبل العديد من الكتّاب ما هو هام، لكن يبدو أن "الصراع الأيديولوجي" لا زال يربك البحث، ويدفع في سياقات بعيدة عن البحث العلمي، لمصلحة استخدام محدّد وفهم أيديولوجي، حيث ستكون "عمومية" المفهوم هي المدخل لإخفاء ميل ليبرالي، أو للتأكيد عليه.

لقد أضفت على الكتاب فصلاً ثالثاً حاولت فيه مناقشة المفهوم في راهنيه، أي المفهوم كما يُطرح اليوم.



[1] غرامشي وقضايا،. غرامشي في العالم العربي. المجتمع المدني. التي سترد الإشارة إليها لاحقاً.

[2] إعداد وتقديم مازن الحسيني " قراءة في فكر غرامشي السياسي" دار التنوير للنشر الترجمة والتوزيع


كتب أخرى لـ غازي الصوراني
آفاق المسألة الفلسطينية



اقرأ أيضاً
اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية
إسرائيل من الداخل
صابر محي الدين الغائب الحاضر
الإصلاح والدولة البيروقراطية
الانتفاضة الفلسطينية
النفوذ الصهيوني في العالم بين الحقيقة والوهم
تحولات التجربة الفلسطينية
العرب وأمريكا
الدولة الفلسطينية المنشودة الواقع والاحتمالات
أمن أجل فلسطين وحدها
ازدواجية النظام السياسي الفلسطيني في كتاب

الصفحة الرئيسية

مواقع صديقة
أجراس العودة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مجلة الهدف