| طباعة | أرسل إلى صديق الصفحة الرئيسية
  برنامج ثقافي للروائي ابراهيم نصرالله ~ 
ارسل الى صديق أضف للمفضلة طباعـة
صابر محي الدين الغائب الحاضر
تأليف: مجموعة شهادات
الناشر: مركز الغد العربي للدراسات

لرؤية الغلاف بالحجم الحقيق




ربما تكون صفة: الأناقة هي التي تسبق غيرها عند الحديث عن صابر محيي الدين. لا أتحدث عن أناقة اللباس، فهي شائعة لدى كثيرين، إنما أقصد تلك الأناقة التي تنبعث من الروح وتشيع في كيان الإنسان كله. كان في صابر، الذي عرفته مدة تقترب من خمسة عشر عاماً، ذلك الحياء والحشمة واللغة المهذبة والسلوك المتأني الذي لا غبار عليه، وتلك الشجاعة الأدبية، التي لا تداري ولا تجاري، التي ارتضت أن تكون زميلاً للحق ورضي الحق أن يكون زميلاً لها. ولعل هذه الأناقة الروحية المتصلة هي التي فصلته عن أصحاب الأرواح القبيحة، وأملت عليه أن يجابههم بلا مساواة، وأن يتحدث مع غيرهم بأدب جم واحترام كبير. كأن صابر، الذي كان مشغولاً كل الوقت، أراد أن يكون مثالاً لغيره، أو كأنه تعرّف على مثال أنيق منذ زمن الطفولة، وسار وراء ما اختار راضياً مطمئناً.

 

 

كان فيه تلك النزاهة الموجعة، التي تتعب الآخرين أحياناً، وتُلحق به تعباً شديداً في معظم الأحيان. لم يكن يعمل بل كان يناضل، ولم يكن يشتغل بل كان يُصلح وينقد ويربّي ويهاجم ويكدح، ثم ينطوي على نفسه صامتاً أو قريباً من صمت مجلّل بالكآبة. وهذه النزاهة، التي تمنع عنه الراحة داخل العمل وخارجه، كانت تستنفر روحه وأعصابه وعقله وأحاسيسه، كما لو كان مسؤولاً عن الآخرين قبل أن يكون مسؤولاً عن ذاته، ومسؤولاً عن أحوال »الهدف«، قبل أن يلتفت إلى عائلته ومسرّاته القليلة. كان يقرأ المقالات، كل المقالات، مدقّقاً متأنّياً متمهّلاً، معياره الأمانة ومرجعه حسن العمل، يحذف ويضيف ويلغي، كي تكون المقالة على صورة »الهدف«، وتكون الأخيرة على صورة رئيس تحريرها، ويكون الطرفان على صورة قضية فلسطين. لم يكن يعمل كان يجاهد، ويرى في علاقات الكتابة والقراءة جهاداً مفتوحاً، بقدر ما كان يرى الجهاد في مجابهة الكتابات الفاسدة، التي تأخذ بالقارئ إلى مكان لا نور فيه ولا معرفة.

 

 

شيء ما من الفضيلة الهادئة كان يصاحب »الرفيق صابر«، شيء ما من الغضب النبيل المروَّض الذي لا يظهر في الصوت ويبدو جليّاً في العينين كان يلازم الصديق الراحل، فهو يحاسب ويمعن في المحاسبة، وينقد ويوغل في النقد مدركاً، برهافته العالية، أن الذي لا يعرف المحاسبة والنقد لن يعرف الطريق الصحيح إلى الوطن. كأن صابر، الذي تعلّمت منه أشياء كثيرة، أراد أن يبرهن أن مَنْ يتساهل في الأمور الصغيرة يتساهل، لاحقاً، في أمور كثيرة، وأن من لا يكون صادقاً مع ذاته ومع الآخرين، لا يكون صادقاً في الدفاع عن القضية التي ينتسب إليها. وكان على »صابر«، الذي كان يرى ما يريد، ويرى ما لا يريد، أن يظل صابراً، معتبراً الصبر المحسوب فضيلة أخلاقية وضرورة »تنظيمية« في آن. كان ذلك الرجل في صبره يجسّد »الانضباط الحزبي«، الذي يرمي بأرواح لا متجانسة في حقيبة واحدة، رامياً على الأخلاقيين الكبار، وهم ندرة، بأسى شفيف يدفع بالجسد، شيئاً فشيئاً إلى الإرهاق والتداعي. لهذا كان منضبطاً في الكلام والحكم، هاجساً بمرجعه الحزبي، وكان منضبطاً في القول والمبادرة، منتظراً ما ينتظر، وكان منضبطاً في السلوك دون أن ينتظر أحداً، لأن الانضباط الأخلاقي كان من صفاته الذاتية.

 

 

شيء ما من الأناقة كان يخفق فوق صابر محيي الدين، وأشياء من فضيلة التطهّر والكمال، وأشياء كثيرة من الأخلاق والتعاليم الأخلاقية. كان فيه، قولاً ونظراً وعملاً، ما يذكّر بوحدة ضرورية بين السياسة والأخلاق، وبين الأخلاق والعمل التنظيمي، مؤمناً بأن الانتماء إلى منظومة أخلاقية – قيمية شرط للانتماء الحزبي ومبتدأ له، بعيداً عن نماذج كثيرة، تناثرت في كل مكان، تتقن بلاغة »التحزّب« ولا تتقن من الأخلاقية الحزبية شيئاً. لهذا كان متعباً بفكرة الذي يجوز والذي لا يجوز، ومرهقاً أكثر بمحدودية الاختيار، ذلك أنه كان إنساناً أخلاقياً وحزبياً منضبطاً في آن، ولا يقبل التنازل عن الأمرين معاً. ما الهدف من مجلة الهدف؟ كنا نتبادل السؤال ويجيب كل منا على طريقته، محاولاً أن يعطي شيئاً من صبره إلى »المثقفين«، مبرهناً أن الصبر فضيلة ثقافية، وأن على المثقفين أن يتعلموا الكتابة والصبر معاً.

 

 

كان فيه ما يمكن أن يدعى بـ»الفلسطيني الكلي«، الذي يعيش الحال الفلسطيني ويناضل فيه بلا انقسام ولا انفصام. لهذا لم يكن ينظر إلى خصمه السياسي، في الساحة الفلسطينية، بمنظور الكراهية والاتهام والتصغير، بل بمنظور التأسي والخيبة، ذلك أن الخسارة في اتجاه فلسطين محدد هي خسارة لجميع الفلسطينيين. وكان على صابر أن يتأسى مرات كثيرة، منذ أن تُرك ناجي العلي يواجه مصيره وحيداً إلى زمن تهميش »اليسار الفلسطيني«، ومن زمن حروب المخيمات المتواترة إلى زمن تهميش القضية الفلسطينية. كان عليه أن يكتب أحياناً، وأن يفكر ويتأمل ولا يكتب ما يريد أن يكتب، وأن يحاور الكثيرين، أحياناً، إذا أراد معالجة قضية جديدة. إنه »المناضل المحترف«، أو »الثوري المحترف«، كما يقال أو كان يقال، مع تصحيح جوهري: عاش صابر محيي الدين حياته داخل قضية لا داخل حرفة، أو مهنة، كما لو كانت القضية مرآة حياته، ومبرراً لها. إنه الاحتراف الذي يلبي الروح والشرف والأخلاق، بعيداً عن احتراف مغاير، يقرّر الحسبان في النهاية، أو يقرّره الحسبان في البداية والنهاية.

 

 

في كل ما سبق كان صابر عنواناً كبيراً للمسؤولية الأخلاقية والوطنية، مسؤول عن غيره هو، دون أن يسأل الآخرين أن يكونوا مسؤولين عنه. حين التقيته بعد سنوات، كانت ابتسامته الشاكية لا تزال مكانها وقد علت وجهه صفرة كامدة، سألته: »كيف حالك«؟! أجاب: »كيف ترى حالتنا«. قلت له إنني أسأل عن صحتك، قال: وأنا أسألك كيف ترى أوضاعنا السياسية؟ لم يجب عن السؤال، بل جعلني أتذكر قلقه الذي لا ينقضي، عن سبل تطوير العمل الفلسطيني، في أشكاله المختلفة. كان يكتب ويكثر من الكتابة، حين تشتد الأزمات، وهي كثيرة، باحثاً عن حل لقضايا لا حل لها، ولأخرى قابلة للحل. لو اجتمع حولها بشر لهم نزاهته، ولهم ذلك القلق الشريف الذي لازمه حتى اللحظة الأخيرة. سألته آخرة، وأصبحت ألتقيه صدفة، سؤالاً مرّاً: ماذا تبقى من هوية اليسار الفلسطيني؟ قال: هذا سؤالنا جميعاً. كنت أعرف السؤال، دون أن أعرف تماماً معنى »الجميع«، وإن كنت أعرف جيداً أنني أتحدث مع إنسان أخلاقي، لا يحتاج كثيراً إلى صفات لاحقة.

 

 

تكوّنت الثقافة الوطنية الفلسطينية، ولا تزال، من صفحات كثيرة، خطّها كثيرون بأشكال مختلفة: خطّها الفلسطيني المجهول الذي استشهد على حافة المخيم، وغسان كنفاني، الأديب القائد الشهيد، وناجي العلي قتيل المنفى، وتفكك المسؤولية، وأجيال الانتفاضة المتواترة، وجيش الأطفال الفلسطينيين الذين فرقتهم القنابل الإسرائيلية، وجيوش كثيرة من هؤلاء الذين يقضون كراماً، مؤمنين بالحق والعدالة، وبحق الفلسطينيين في عيش كريم. إلى هؤلاء جميعاً ينتمي صابر محيي الدين، الذي كان يرى الثقافة في القيم والكفاح الأخلاقي من أجل القيم، قبل أن يعترف بها في حدود المكتوب والمقروء ذلك أنه آمن منذ زمن طويل، بأن الثقافة هي سلوك في الحياة اليومية، قبل أي شيء آخر.

 

 

سار صابر في الدرب الذي اختاره، ولم يختر نهاية الدرب، متمنياً على آخرين أن يكملوا مساره.

 

 

 

 



اقرأ أيضاً
اللاجئون الفلسطينيون جوهر الصراع وعقدة التسوية
إسرائيل من الداخل
الإصلاح والدولة البيروقراطية
الانتفاضة الفلسطينية
آفاق المسألة الفلسطينية
النفوذ الصهيوني في العالم بين الحقيقة والوهم
تطور مفهوم المجتمع المدني
تحولات التجربة الفلسطينية
العرب وأمريكا
الدولة الفلسطينية المنشودة الواقع والاحتمالات
أمن أجل فلسطين وحدها
ازدواجية النظام السياسي الفلسطيني في كتاب

الصفحة الرئيسية

مواقع صديقة
أجراس العودة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
مجلة الهدف